zeze Posted أكتوبر 18, 2004 Report Posted أكتوبر 18, 2004 سلالالام شخباركم لو سمحتون بغيت هذه المواضيع ضروووري لا تخيبون املي 1 - الرده و توحيد شبه الجزيرة العربية 2 - انتشار الاسلام في البحرين 3 - البحرين في العصر الاموي 4 - الدولة العباسية و مشكوورين مقدماَ
غزلان البراري Posted أكتوبر 18, 2004 Report Posted أكتوبر 18, 2004 http://www.kfu.edu.sa/Colleges/college5/co...llege5-24-1.asp ما ادري جوف ذي الموقع سوري ما قدرت ادور لك (( امتحانات ))
عادل محسن Posted أكتوبر 23, 2004 Report Posted أكتوبر 23, 2004 هذا بحث طويل اخذ اللي تبغيه منه الدولة العباسية ( السفاح ) هو أبو العباس عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. وأمه ريطة بنت عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن المدان الحارثي. ولد سنة104 بالحميمة. بويع بالخلافة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول سنة132 (30 أكتوبر سنة749 . ومن هذا اليوم يبتدىء التاريخ خلافة أبي العباس ولم يزل خليفة إلى أن توفي بمدينة الأنبار يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة136 (9 يونيو سنة754 . الأحوال الداخلية: لم تكن هزيمة مروان وقتله منتهى متاعب العباسيين فإنه كان لا يزال في الأمة العربية قواد ضلعهم مع بني أمية ولا يزال عندهم شيء من القوة فكانوا يثورون إما خوفاً على أنفسهم من بني العباس الذين أظهروا قسوة شديدة في معاملة مغلوبيهم وإما طمعاً في إعادة تلك الدولة العربية التي كان لهم منها نصيب وافر. فقضى أبو العباس أكثر حياته في إخماد تلك الثورات التي كانت كثيرة ولا سيما بالشام والجزيرة والتغلب على يزيد بن هبيرة الذي كان أمير العراق لمروان بن محمد وتحصن بمدينة واسط بعد غلبة العباسيين على الكوفة وما معها. ولاية العهد: في سنة136 عقد السفاح لأخيه أبي جعفر الخلافة من بعده وجعله ولي عهد المسلمين ومن بعد أبي جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن علي وكتب العهد بذلك وصيره في ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى وقد ابتدأ السفاح بفعله هذا الغلطة الشنيعة التي سبق بها في عهد بني أمية وهو تولية اثنين العهد وكانت من أسباب ما أصاب بني أمية من الخلاف والفرقة. وفاة السفاح: أصيب السفاح بالجدري وهو بالأنبار وتوفي بها في13 ذي الحجة136 ودفن بالأنبار في قصره وبلغت وفاته أبا جعفر وهو عائد من حجته. (المنصور) (137 - 158هـ) هو أبو جعفر عبد اللَّه بن محمد بن علي وأمه أم ولد اسمها سلامة ولد بالحميمة سنة101 ولما انتقل أبو العباس من الحميمة إلى الكوفة كان فيمن معه. ولما أفضت الخلافة إلى أبي العباس كان عضده الأقوى وساعده الأشد في تدبير الخلافة وفي السنة التي توفي فيها أبو العباس136 عقد العهد لأخيه أبي جعفر وكان إذا ذاك أميراً على الحج ثم توفي السفاح وأبو جعفر بالحجاز فأخذ البيعة له بالأنبار ابن أخيه عيسى بن موسى وكتب إليه يعلمه وفاة السفاح والبيعة له فلقيه الرسول بأحد المنازل عائداً بعد انتهاء الحج. وقد تمت البيعة له في اليوم الذي توفي فيه أخوه (8 يونيه سنة754) واستمر خليفة إلى أن توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة158 (8 أكتوبر سنة775 فكانت خلافته 22 سنة هلالية إلا ستة أيام. وكان يعاصره في الأندلس عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (138-172) الأحوال لعهد المنصور: تولى المنصور الخلافة ولم تكن قد توطدت دعائمها ولم يكن يخاف عليها من الدولة البائدة دولة الأمويين لأنه لم تبق لهم بقية يخاف منها وإنما كان الخوف ينتاب المنصور من ثلاث جهات الأولى: منافسة عمه عبد اللَّه بن علي في الأمر لما كان له من نباهة الذكر في بني العباس ولأنه كان يدبر أمر جيوش الدولة من أهل خراسان وأهل الشام والجزيرة والموصل الذي أمره عليهم السفاح قبل وفاته ليغزوا بهم الروم وقد أظهر المنصور خوفه هذا لأبي مسلم حينما جاءه الخبر بوفاة أخيه والبيعة له. الثانية: من عظمة أبي مسلم الخراساني مؤسس الدولة فإنه كان يرى له من الصولة وشدة التمكن في حياة أخيه ما لم يكن يرى معه أمراً ولا حكماً ومثل المنصور في علو نفسه لا يرضيه أن يكون له في الأمر شريك ذو سطوة وسلطان مثل أبي مسلم على أن هناك أمراً آخر ربما كان يدور بخاطره وهو أن يستقل أبو مسلم بأمر خراسان ويخلع المنصور ثم يختار للخلافة رجلاً آخر يكون تحت تصرفه وسلطانه فيعود الأمر لأهل فارس. الثالثة: وهي أقوى هذه الجهات الثلاث خوفه من بني عمه آل علي بن أبي طالب الذين لا يزال لهم في قلوب الناس مكان مكين وأخصهم محمد بن عبد اللَّه بن حسن بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب لما سيأتي بيانه فكان المنصور يتخوف أن يخرج عليه طالباً بالخلافة والذي كان يزيد هواجسه أنه عام حج في حياة أخيه لم يحضره محمد ولا أخوه إبراهيم ابنا عبد اللَّه مع من شهده من سائر بني هاشم. صار المنصور يحتال بأنواع الحيل ليعرف الأخبار عن محمد واستخراج ما عند أبيه عبد اللَّه بن حسن من أخباره ولما علم أن عبد اللَّه يعرف نية ابنة حج سنة وسأل عبد اللَّه عن ابنيه أن عنده بهما فتيقن المنصور كذبه وحبسه وصادر أمواله. لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح بالمدينة حتى حج أبو جعفر سنة فلما لم يجد عندهم ما يبرد غلته من جهة محمد وأخيه إبراهيم أمر بحملهم إلى العراق وأشخص معهم محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو أخو بني حسن بن زيد بن حسن لأمهم وأمهم جميعاً فاطمة بنت حسين بن علي وكان إبراهيم بن عبد اللَّه صهره على ابنته فحملوا مقيدين بالأغلال والأثقال وسير بهم على شر ما يكون حتى أتى بهم العراق فحبسوا بقصر ابن هبيرة وهو بلد شرقي الكوفة مما يلي بغداد على نهر الفرات. وقد استعمل معهم المنصور من الفظائع ما لا طاقة للإنسان على تسطيره وكان أعظم فظائعه مع محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، وكانت نتيجة هذا الحبس الشديد أن مات أكثرهم في الحبس مع أن بني العباس ملأوا الدنيا تهويلاً ورياء بأنهم خرجوا انتقاماً من قتلة الحسين بن علين وزيد بن حسن ويحيى بن زيد وهؤلاء إنما قتلوا في ميادين القتال وهم خارجون ولم يقتل بنو أمية أحداً من آل علي بالشكل الفظيع الذي ذهب به بنو حسن في عهد بني عمهم من آل العباس. على أنه فضلاً عن ذلك كله جعل نفسه محصوراً بالمدينة وهي ليست بمركز حربي يمكن القائد أن يبقى فيه على الدفاع طويلاً وحياتها من خارجها فلا تحتمل الحصار إلا قليلاً. الأحوال الخارجية: في عهد المنصور هرب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلى بلاد الأندلس وأسس بها الدولة الأموية الثانية وكان المنصور يعجب به وبقدرته وعزيمته التي جعلته وهو شريد طريد يؤسس ملكاً في هذه البلدان القاصية ولم يكن بين الرجلين بالضرورة علاقة حسنة ولم يتسم عبد الرحمن بأمير المؤمنين بل تسمى بالأمير فقط. وهذه أول بلاد اقتطعت من الخلافة الإسلامية الكبرى بالمشرق أما مملكة الروم التي كانت تحاد الخلافة الإسلامية من الشمال فكان يعاصر المنصور فيها قسطنطين الخامس كما قدمنا وكانت العلاقة بين الأمتين منقطعة لا تترك إحداهما قتال الأخرى متى عنت الفرصة وكان من النظام المتبع في الخلافة إرسال الجيوش تغزو الروم في الصيف وتسمى بالصوائف ولم يكن ذلك ينقطع إلا لمانع. أول ما حصل في عهد المنصور أن الروم بقيادة ملكهم أرغاروا سنة138 على ملطية وكانت إذ ذاك من الثغور الإسلامية فدخلوها عنوة وقهروا أهلها وهدموا سورها ولكن الملك عفا عمن فيها من المقاتلة والذرية. ولما علم بذلك المنصور أغزى الطائفة عمه صالح بن علي ومعه أخوه العباس بن محمد بن علي فبنى ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية وقد أقام في استتمام ذلك إلى سنة139. ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم وغزا مع صالح أختاه أم عيسى ولبابة ابنتا علي وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل اللَّه- وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة البهراني. وفي هذه السنة استقر الأمر بين المنصور وملك الروم على المفاداة فاستنقذ المنصور من الروم أسراء المسلمين. وفي سنة140 غزا الصائفة الحسن بن قحطبة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام وأقبل قسطنطين صاحب الروم في جيش كثيف فنزل جيحان فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم ثم لم تكن صائفة بعد ذلك إلى سنة146 لاشتغال أبي جعفر بأمر محمد وإبراهيم ابني عبد اللَّه. ولم تزل الصوائف بعد ذلك تتوالى إلى سنة155 وفيها طلب صاحب الروم الصلح على أن يؤدي للمسلمين الجزية. وكانت هذه الحروب بين الطرفين إغارات لم يقصد بها فتح بل كل واحد من الطرفين ينتهز الفرصة فيجتاز الحدود التي لصاحبه ثم يعود إلى مقره ثانية ولم تكن المصالحات يطول زمنها بل سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه. أما حدود المملكة من الجهات الأخرى فكانت في الغالب محلاً للاضطرابات ولكنها كانت تسكن حالاً بما يبذله المنصور من الهمة في إرسال الجنود إليها ليقظته ومعرفته بالأمور على وجهها، وكان في كل ثغر جنود مرابطون من المرتزقة وهم المفروض لهم عطاء في الديوان ومن المتطوعة وهم الذين ينتدبون للجهاد في سبيل اللَّه لا يطلبون على ذلك أجراً إلا من اللَّه وكان الخليفة هو الذي يعين قائدهم وكان عددهم في ذلك الوقت كثيراً. وفاة المنصور في سنة158 حج المنصور. شخص من مدينة السلام متوجهاً إلى مكة في شوال فلما صار من منازل الكوفة عرض له وجعه الذي توفي به ولم يزل يزداد حتى وصل بستان ابن عامر فاشتد به وجعه ثم صار إلى بئر ميمون وهو يسأل عن دخول الحرم ويوصي الربيع بما يريد وتوفي في سحر ليلة السبت6 ذي الحجة سنة158 ولم يحضره عند وفاته إلا الربيع الحاجب فكتم موته ومنع النساء وغيرهن من البكاء عليه ثم أصبح فحضر أهل بيت الخلافة وجلسوا مجالسهم فأخذ الربيع بيعتهم لأمير المؤمنين المهدي ولعيسى بن موسى من بعده ثم دعا بالقواد فبايعوا وتوجه العباس بن محمد بن علي ومحمد بن سليمان بن علي إلى مكة ليبايعا الناس فبايعوا للمهدي بين الركن والمقام. ثم أخذ في جهاز المنصور وغسله وكفنه ففرغ من ذلك مع صلاة العصر وجعل رأسه مكشوفاً من أجل أنه مات محرماً وصلى عليه عيسى بن موسى ودفن بثنية المعلاة بعد خلافة مدتها22 سنة إلا ستة أيام رحمه اللَّه. وكان له من الولد ثمان ذكور وبنت. فالذكور محمد المهدي وجعفر الأكبر وأمهما أروى بنت منصور الحميرية وسليمان وعيسى ويعقوب وأمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد اللَّه وجعفر الأصغر وأمه أم ولد كردية. وصالح المسكين وأمه أم ولد رومية. والقاسم وأمه أم ولد وقد مات منهم جعفر الأكبر والقاسم قبل وفاة المنصور والبنت اسمها العالية وأمها امرأة من بني أمية وقد تزوج العالية إسحق بن سليمان بن علي. صفات المنصور وأخلاقه: كان المنصور أعظم رجل قام من آل العباس شدة وبأساً ويقظة وثباتاً ونحن نسوق هنا جملة من أخلاقه لترتسم صورة هذا الرجل العظيم في الأذهان. ( المهدي ) (158-169هـ) هو محمد المهدي بن منصور وأمه أروى بنت منصور الحميرية وكانت تكنى أم موسى ولد سنة126 بالحميمة من أرض الشراة وكانت سنه إذ جاءتهم الخلافة ست سنوات. بيعة المهدي: بعد أن أخذ الربيع بيعة المهدي علي بن هاشم والقواد الذين كانوا يرافقون المنصور في حجه ووجه رسولاً إلى مدينة السلام بخبر الوفاة وبعث معه بقضيب النبي صلى اللَّه عليه وسلم وبردته التي يتوارثها الخلفاء وبخاتم الخلافة فقدمت الرسل يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة وفي ذلك اليوم بايعه أهل مدينة السلام ومكث في خلافته إلى أن توفي ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم سنة169 (4 أغسطس سنة785 بما سبذان فتكون مدته عشر سنين وشهراً ونصفاً. الحال في عهد المهدي: كانت خلافة المهدي مرفهة عن الناس ما كانوا يلقونه من بعض الشدة أيام المنصور فقد كان المنصور يؤسس ملكاً له خصوم فكان يكتفي بالريبة والظنة فيعاقب بهما وفي مثل ذلك كثيراً ما يؤخذ البريء بالمذنب والمطيع بالعاصي فلما جاء المهدي كانت الخلافة العباسية قد توطدت وأنياب العلويين قد كسرت وإن كانت قد بقيت لهم بقايا يتطلعون للخلافة فهم لا يحتاجون في الاحتراس منهم إلى مثل ما كان المنصور يحتاج إليه من الشدة فإن كبارهم قد وضعوا تحت نظر الخليفة ببغداد والذين كانوا بالمدينة اكتفى بمراقبة الأمير لهم فكانوا يعرضون عليه كل يوم ولذلك كانت حياة المهدي حياة سعيدة لنفسه ولأمته وهو بعد أبيه يشبه في كثير من الوجوه الوليد بن عبد الملك بعد أبيه. في أول ولايته أمر بإطلاق من كان في سجن المنصور إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل ومن كان معروفاً بالسعي في الأرض بالفساد أو كان لأحد قبله مظلمة أو حق. ومما أجراه من الإصلاح أمره ببناء القصور في طريق مكة أوسع من القصور التي كان السفاح بناها من القادسية إلى زبالة وأمر بالزيادة في قصور السفاح وترك منازل المنصور التي بناها على حالها. ومن آثاره زيارته في المسجد الحرام فأدخل فيه دوراً كثيرة. الوزارة: كان مظهر الوزارة في عهد المهدي أوضح منه في عهد أبيه المنصور لما كان من ركون المهدي إلى وزرائه واعتماده عليهم أكثر مما كان يعتمد أبوه وكان أول وزرائه كبير الكفاءة فإنه جمع له حاصل المملكة ورتب الديوان وقرر القواعد وكان كاتب الديوان وأوحد الناس حذقاً وعلماً وخبرة وهو أبو عبيد اللَّه معاوية بن يسار مولى الأشعريين كان كاتب المهدي ونائبه قبل الخلافة ضمه المنصور إليه وكان قد عزم على أن يستوزره لكنه آثر به ابنه المهدي فكان غالباً على أموره لا يعصي له قولاً وكان المنصور لا يزال يوصيه به ويأمره بامتثال مشورته فلما مات المنصور وولي المهدي فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه الدواوين وكان مقدماً في صناعته وله ترتيبات في الدولة. الأحوال الخارجية: كان منظر الخلافة في داخل المملكة باهراً وكان كذلك مظهرها في نظر الأمم الأخرى إلا أنه مما يؤسف سوء العلاقة بين الخلافة المشرقية ببغداد وبين أمير الأندلس عبد الرحمن الداخل فقد كان المنصور والمهدي يهتمان بأمره ويودان إزالة دولته ولكن الشقة بين الرجلين بعيدة فلم يمكن واحد منهما أن يجرد له جيشاً يخترق صحارى أفريقية ويغزوه في بلاد الأندلس فاكتفى كل من الفريقين بمعاداة الآخر. أما العلاقات بين المهدي وبين ملك الروم فكانت سيئة فلم تكن الإغارات من الطرفين تبطل بل كانت الصوائف من طرف المسلمين كما كانت الإغارات من ملك الروم وكانت الحرب براً وبحراً. وفي سنة163 احتفل المهدي بأمر الصائفة وولى أمرها ابنه هارون وفرض البعوث على جميع الأجناس من أهل خراسان وغيرهم وخرج المهدي مع الجيش حتى أتى البردان فأقام به نحواً من شهرين يتعبأ ويتهيأ ويعطي الجنود. وكانت هذه الغزوة من أهم الغزوات في عهد المهدي فتح اللَّه عليهم فيها فتحاً كثيراً. وفي سنة165 غزا الصائفة هارون مرة أخرى فوغل في بلاد الروم وكان عدد جيشه95793 رجلاً حمل لهم من العين ديناراً ومن الورق1414800 درهم ولم يزل الجيش سائراً حتى بلغ خليج البحر الذي على القسطنطينية وكان الذي يقوم بأمر الروم إيربني أم الملك نيابة عن ابنها فجرت بينها وبين هارون مكاتبات في طلب الصلح والموادعة وإعطاء الفدية فقبل منها ذلك هارون واشترط عليها أن تقيم الأدلاء والأسواق في طريقه لأنه قد دخل مدخلاً صعباً مخوفاً على المسلمين فأجابته إلى ما سأل. وفي رمضان سنة168 أي قبل انقضاء مدة الهدنة نقض الروم الصلح وغدروا فوجه إليهم علي بن سليمان بن علي وهو والي الجزيرة وقنسرين يزيد بن بدر البطال في سرية فردوا الروم وغنموا وظفروا. والنتيجة أن مدة المهدي كان أكثرها حرباً مع المسلمين والروم وكان الفريقان في موقف الدفاع أحياناً والهجوم أحياناً إلا أن الظفر كان في الغلب للمسلمين. غزو الهند: كان المسلمون يملكون إلى نهر مهران الفاصل بين السند والهند فأراد المهدي أن يغزي جنوده بلاد الهند ففي سنة159 وجه عبد الملك بن شهاب المسمعي في البحر إلى بلاد الهند وفرض معه لألفين من أهل البصرة من جميع الأجناد وأشخص معه من المطوعة الذين كانوا يلزمون المرابطات ووجه معه قائداً من أبناء الشام في 700 من أهل الشام وخرج معه من متطوعة أهل البصرة 1000 رجل ومن الأسواريين والسبابحة 4000 فكان تمام عدتهم 9200 رجل مضوا حتى أتوا مدينة باربد من بلاد الهند سنة160 فناهضوها بعد قدومهم بيوم وأقاموا عليها يومين فنصبوا المنجنيق وناهضوها بجميع الآلة وتحاشد الناس وحصن بعضهم بعضاً حتى فتحوها عنوة ودخلت خيلهم من كل ناحية حتى ألجأوهم إلى بلدهم فأشعلوا فيها النيران والنفط وغلبوا أهلها على أمرهم بعد أن قتل من المسلمين بضعة وعشرون رجلاً ثم أقاموا بالمدينة حتى يطيب لهم الريح فأصابتهم أمراض مات بسببها نحو ألف منهم ثم انصرفوا حين أمكنهم الانصراف حتى بلغوا ساحلاً من فارس يقال له بحر حمران فعصفت عليهم فيه الريح فكسرت عامة مراكبهم فغرق منهم بعض ونجا بعض ويظهر أن هذه الغزوة ليست إلا إغارة لا عملاً يقصد به توسيع المملكة. صفات المهدي: كان المهدي لا يشرب النبيذ وإن كان سماره يشربونه في مجلسه وكان من خلقه الحياء والعفو فكان إذا وقع أحد من خصومه في يده عفا عنه وكان يتأثر بالقرآن كان في حبسه موسى بن جعفر العلوي فقرأ مرة في صلاته: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} فأتم صلاته والتفت إلى الربيع وأمره بإحضار موسى فلما جيء به قال له: يا موسى إني قرأت هذه الآية فخفت أن أكون قطعت رحمك فوثق لي أنك لا تخرج عليّ، فقال: نعم فوثق له فخلاه. وكان خليفة عادلاً يجلس للمظالم بنفسه وبين يديه القضاة فيزيل عن الناس مظالمهم ولو كانت قبله وكان إذا جلس للمظالم قال أدخلوا عليّ القضاة فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى. وكان المهدي ميالاً إلى السنة يحب ألا يخالف سنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فمن ذلك أنه أمر بنزع المقاصير من مساجد الجماعات وتصير منابرها إلى المقدار الذي عليه منبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وكتب بذلك إلى الآفاق فعمل به. ولاية العهد: قدمنا أن المهدي نزع من ولاية العهد عيسى بن موسى بن علي وجعل محله ابنه موسى الهادي ثم جعل بعده ابنه هارون الرشيد. وفاة المهدي: في سنة169 أراد المهدي الخروج إلى جرجان فلما وصل إلى ماسبذان أدركته هناك منيته ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم في قرية يقال لها الروذ وصلى عليه ابنه هارون لأنه كان في صحبته. الدولة العباسية ( الهادي ) ( 169- 170هـ) هو موسى الهادي بن محمد المهدي بن جعفر المنصور وأمه أم ولد اسمها الخيزران كانت ملكاً للمهدي وفي سنة159 أعتقها وتزوجها أي بعد أن ولدت له الهادي والرشيد. ولد الهادي سنة 144 وولاه أبوه العهد وسنه16 سنة. الحال في عهده: كان الهادي على سنن أبيه في كراهة الزنادقة فالتفت إليهم ونكل بهم تنكيلاً والزندقة على ما يظن كانت عندهم عنواناً على ترك التدين والمجازفة في التعبير عن الدين. ثورة الحسين بن علي: وفي عهد الهادي خرج بالمدينة الحسين بن علي بن الحسن المثلث سنة169 وكان والي المدينة لوقته عمر بن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب وسبب خروجه أن عمر بن عبد العزيز أخذ الحسن بن محمد النفس الزكية وجماعة كانوا على شراب لهم فأمر بهم فضربوا جميعاً ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة فصار إليه الحسين بن علي فكلمه فيهم وقال له ليس هذا عليهم وقد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون به بأساً فلم تطوف بهم فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردهم وأمر بهم إلى الحبس فحبسوا يوماً وليلة ثم كلم فيهم فأطلقهم جميعاً وكانوا يعرضون كما قدمنا يراقبون ففقد الحسن بن محمد وكان الحسين بن علي ويحيى بن عبد اللَّه بن الحسن كفلاه لأن العمري كان كفل بعضهم من بعض فغاب عن العرض ثلاثة أيام فأخذ الكفيلين وسألهما عنه فحلفا أنهما لا يدريان موضعه فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه فحلف يحيى بن عبد اللَّه ألا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره حتى يعلم أنه قد جاءه فلما خرجا قال الحسين: سبحان اللَّه ما دعاك إلى هذا وأين تجد حسناً حلفت له بشيء لا تقدر عليه قال والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف فقال حسين: تكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة قال: قد كان الذي كان، فلا بد منه، وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو بمكة أيام الموسم، وكان بالمدينة جماعة من أهل الكوفة من شيعتهم وممن كان بايع الحسين بن علي، ففي آخر الليل خرجوا وجاء يحيى بن عبد اللَّه حتى ضرب باب دار مروان على العمري فلم يجده فيها وتوارى منهم فجاءوا حتى اقتحموا المسجد. ولما أذن الصبح جلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء وجعل الناس يأتون المسجد فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلون فلما صلى الغداة جعل الناس يأتونه ويبايعونه على كتاب اللَّه وسنة نبيه صلى اللَّه عليه وسلم للمرتضى من آل محمد وقاومهم جماعة من نصراء الدولة فلم يفلحوا ولما تم للحسين بن علي ما أراد انتهبت جماعته ما في بيت المال. أقام الحسين بالمدينة بعد إعلان الخروج أحد عشر يوماًثم فارقها لست بقين من ذي القعدة قاصداً مكة. انتهى خبر الحسين إلى الهادي وقد كان حج في تلك السنة رجال من أهل بيته منهم محمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد وموسى بن عيسى سوى من حج من الأحداث وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر المنصور فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب فلقيهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحج. وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدة من السلاح فشمر للحرب وسار نحو الحسين بن علي فلقيه بفخ وكانت عاقبة الوقعة أن قتل الحسين بن علي الثائر وجماعة ممن معه وأفلت من الموقعة رجلان لهما تاريخ جليل وهما إدريس بن عبد اللَّه بن الحسن بن علي أخو محمد النفس الزكية وهو مؤسس دولة الأدارسية بالمغرب الأقصى والثاني أخوه يحيى بن عبد اللَّه الذي ذهب إلى بلاد الديلم. صفات الهادي: كان الهادي شديد الغيرة على حرمه ويشبه في ذلك سليمان بن عبد الملك في بني أمية وقد نهى أمه الخيزران أن يدخل عليها أحد من القواد أو رؤساء حكومته بعد أن كان لها من نفوذ الأمر في عهد المهدي ما لم يكن لامرأة غيرها. وكان شجاعاً قوياً روي عنه أنه كان يثب على الدابة وعليه درعان. وكان يرى الناس لا يصلحون إذا حجب خليفتهم عنهم حتى أنه قال للفضل بن الربيع الذي أقامه في حجابته بعد أبيه: لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني البركة ولا تلق إليّ أمراً إذا كشفته أصبته باطلاً فإن ذلك يوقع الملك ويضر بالرعية، وقال مرة لعلي بن صالح: ائذن للناس عليّ بالجفلى لا النقرى ففتحت الأبواب فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل. وكان كريماً يشبه أباه في أعطياته. ولم تطل مدته في الخلافة حتى يكون له في أحوال الأمة أثر ظاهر. الدولة العباسية ( هارون الرشيد ) هو هارون الرشيد بن محمد المهدي وأمه أم الهادي ولد بالري سنة145 ولما شب كان أبوه يرشحه للخلافة فولاه مهام الأمور. جعله أمير الصائفة سنة163 وسنة165 وفي سنة164 ولاه المغرب كله من الأنبار إلى أطراف أفريقية فكانت الولاة ترسل من قبله وفي سنة166 جعله أبوه ولي عهد بعد الهادي وفي سنة169 وهي السنة التي توفي فيها المهدي أراد أن يقدمه على الهادي لما ظهر من شجاعته وعلو شأنه فحالت منية المهدي دون ذلك المهدي. بويع الرشيد بالخلافة يوم أن مات أخوه الهادي في14 ربيع الأول سنة170 (14 سبتمبر سنة786 وسنه25 سنة ولم يزل خليفة إلى أن توفي في ثالث جمادى الآخرة سنة194 (24 مارس سنة808 فكانت مدته23 سنة وشهرين و18 يوماً وكان سنه إذ توفي48 سنة. نكبة البرامكة: أولع المؤرخون بذكر نكبة البرامكة وأجهدوا قرائحهم في تعرف أسباب إيقاع الرشيد بهم. لم يكن هذا العمل بدعاً في الدولة العباسية فإن للمنصور والمهدي سلفاً في ذلك فقد أوقع المنصور بوزيره أبي أيوب المورياني قتله وأقاربه واستصفى أموالهم لخيانة مالية اطلع عليها منهم وأوقع المهدي بوزيريه أبي عبد اللَّه معاوية بن يسار ويعقوب بن داود لوشاية كانت بهما مع نزاهة الأول وحسن سيرته ومع ما كان للمهدي من الولوع بالثاني حتى كتب للجمهور أنه اتخذه أخاه في اللَّه. كل هذا قد سبق به الرشيد. كان يحيى بن خالد هو القائم بأمر الرشيد أيام المهدي وكان الرشيد يدعوه يا أبي وكانت أم الفضل بن يحي ى ظئراً للرشيد وأرضعت الخيزران أم الرشيد الفضل بن يحيى فكان يحيى هو الذي يكفله ويقوم بتربيته من لدن ولد إلى أن شب. وهو الذي كانت له اليد الطولى في إخفاق المساعي التي بذلت لخلع الرشيد من ولاية العهد أيام الهادي فلما تولى الرشيد قلده وزارته وزارة تفويض ثم ضم إليه وزارة الخاتم بعد وفاة الفضل بن سليمان الطوسي فاجتمعت له الوزارتان وأعانه في العمل أبناؤه إلا أن الشهرة ونباهة الذكر كانت للفضل وجعفر مع ما كان لهم جميعاً من الكفاية. رآهم الناس بعد هذا العز المتين والشرف الباذخ منكوبين على يد الرشيد، ابن يحيى وأخي الفضل وحبيب جعفر، فجعفر مقتول بالعمر من ناحية الأنبار في آخر ليلة من محرم سنة197 بعد أوبة الرشيد من حجه وكتابته عهدي ولديه الأمين والمأمون ثم جسمه مصلوب ببغداد على ثلاثة جسور ثم أحرق. ويحيى بن خالد وأبناؤه الباقون محبوسون. ورأوا مصادرة لكل ما يملكون من عقار ومنقول ورقيق ورأوا كتباً أرسلت إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم وأخذ وكلائهم وأمراً بالنداء في جميع البرامكة أن لا أمان لمن أواهم إلا محمد بن خالد بن برمك وولده وأهله وحشمه فإن الرشيد استثناهم لما ظهر له من نصيحة محمد له وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة. رأوا ذلك كله فعرتهم الدهشة وظنوا الظنون وسادت عليهم الخيالات والأوهام ناسبين ذلك لحادث فجائي حدث فغير قلب الرشيد هذا التغيير وأداه إلى هذا العمل شأن الناس في الأعصار كافة إذا عصفت بهم عاصفة من حادث شديد الوقع. من كل هذا يتبين أن النفور والريبة وقعت في قلب كل من الطرفين للآخر وتبع ذلك معاملات من الرشيد لم يكن يبعثه عليها إلا ما ركز في نفسه وأثبته عنده وشاة السوء وأعداء البرامكة وكان الرشيد يتحين الفرصة للإيقاع بهم ولا سيما جعفر لما كان منه من تخليص يحي ى بن عبد اللَّه وهذا دليل عدم الإخلاص للرشيد وللبيت العباسي وقد قام الفضل بن الربيع بما انتدب إليه خير قيام وشايعه في ذلك كثيرون وكانت زوجة الرشيد زبيدة منحرفة عن جعفر لقيامه في أمر المأمون فإنه هو الذي قام في ولايته العهد وجعله مناظراً لابنها الأمين وكانوا يتخوفون من جعفر أن يكون سبباً في الإيقاع بين الأخوين إذا حانت منية الرشيد لذلك كانت زبيدة توغر قلب الرشيد على جعفر كلما حانت الفرصة. في سنة186 حج الرشيد ولما انصرف من حجه أتى الأنبار ومعه يحيى والفضل وجعفر ومحمد بن خالد ودعا موسى بن يحيى فرضي عنه بعد غضبه عليه وفي غاية المحرم أمر فيهم أمره فقتل جعفراً وحبس يحيى وابنيه وصادر أموالهم كلها وقد حبس يحيى مع الفضل، ومحمد في دير القائم وجعل عليهم حفظة ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم ولا ما يحتاجون إليه وصير معهم زبيدة بنت منير أم الفضل وعدة من خدمهم وجواريهم ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح فعمهم بالتسقف بسخطه وجدد لهم التهمة عند الرشيد فضيق عليهم. العلاقات الخارجية: كانت دول هذا العصر الكبيرة دولة الروم الشرقية بالقسطنطينية ودولة شرلمان الذي كان يميل إلى تجديد دولة الرومان الغربية ودولة الأمويين بالأندلس وحدثت في عهده دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى. مع الروم: من أعمال الرشيد أنه عزل الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزاً واحداً وسميت العواصم وجعل قاعدتها منبجاً وأسكنها عبد الملك بن صالح سنة173 وسميت العواصم لأن المسلمين كانوا يعتصمون بها فتعصمهم وتمنعهم من العدو إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر وكان من هذه العواصم دلوك ورعبان وقورس وانطاكية وتيزين وما بين ذلك من الحصون ومن تلك المدن الشهيرة طرسوس وقد عمرت في زمن الرشيد على يد أبي سليم فرج الخادم التركي ونزلها الناس وكان يغزو الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح ووصل سنة175 إلى أقريطية. وفي سنة181 غزا الرشيد الصائفة بنفسه ففتح عنوة حصن الصفصاف وغزا عبد الملك بن صالح فبلغ أنقرة. ولم يزل عبد الملك يرى الثغور وحربها وهو قائم بذلك خير قيام حتى عزله الرشيد وحبسه بعد نكبة البرامكة سنة 187 فولى بعده القاسم بن الرشيد وسكن منبجاً فغزا الروم وأناخ على حصن قرة وحاصرها ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا فبعثت الروم تبذل320 رجلاً من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم إلى ذلك ورحل عن حصني قرة وسنان. كان يملك الروم في ذلك الوقت إربني وكانت في أوائل أمرها تنوب عن ابنها قسطنطين السادس منذ سنة780 ثم استبدلت بالملك سنة790 فاتفقت مع الرشيد على الصلح والمهادنة مقابل جزية تقوم بدفعها له وذلك لما رأته من إلحاح المسلمين عليها بالحرب وعدم قدرتها على الدفاع لوقوعها بين المسلمين من جهة وبين شارلمان من جهة أخرى وكلتا الدولتين تناوئها العداوة لأن شارلمان كان يريد توسيع سلطانه وإعادة دولة الرومان إلى بهجتها التي كانت لها في القدم وفي سنة802 نهضت عليها عصابة رومية فخلعتها عن الملك وملكت مكانها نقفور فعقد معاهدة مع شارلمان عينت فيها تخوم المملكتين ثم كتب إلى الرشيد من نفقور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مكان البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه خوفاً من زيادة قول أو فعل يكون منهم واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه أو يستبد برأيه دونه فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: ( بسم اللَّه الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام) ثم شخص من يومه وسار حتى أناخ بباب هرقلة ففتح وغنم واصطفى وأقاد وخرب وحرق واصطلم فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه كل سنة فأجابه إلى ذلك فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد وخان الميثاق وكان البرد شديداً فيئس نقفور من رجعته إليه وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه فما تهيأ لأحد إخبار الرشيد بذلك إشفاقاً عليه وعلى أنفسهم من الكرة. ولم تقف الحروب بين الطرفين بعد ذلك وفي سنة189 حصل فداء بين المسلمين والروم فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به وهذا أول فداء كان بين المسلمين والروم. وفي سنة190 غزا الرشيد الصائفة بنفسه ففتح هرقلة وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم وكان دخلها في135 ألف مرتزق سوى الاتباع وسوى المطوعة وسوى من لا ديوان له وكان فتح الرشيد هرقلة في شوال فأضر بها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يوماً عليها وولى حميد بن معيوف سواحل الشام إلى مصر فبلغ حميد قبرص فانتصر على أهلها. وفي سنة191 غزا الصائفة هرثمة بن أعين أحد كبار القواد وضم إليه ثلاثين ألفاً من أهل خراسان ومعه مسرور الخادم واليه في النفقات وجميع الأمور ما خلا الرياسة ومضى الرشيد إلى درب الحدث فرتب هنالك عبد اللَّه بن مالك ورتب سعيد بن سلم بن قتيبة بمرعش فأغارت الروم عليها وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد مقيم بها. وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرسوس، فأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان ثم انصرف إلى الرقة. وعلى الجملة فإن قوة المسلمين كانت في عهد الرشيد ظاهرة ظهوراً بيناً على الروم لما كان يقوم به الرشيد بنفسه من الغزو المتوالي ومعه عظماء القواد وكبار رجال الدولة من عرب وموال وخراسانية. العلاقة مع أوروبا: كان في عهد الرشيد شارلمان بن بابن وكان ملكاً على فرنسا واستولى على لمبارديا وقاد طوائف السكسون التي كانت في جرمانيا إلى الدين العيسوي بعد أن كانت وثنية واستولى على المانيا وإيطاليا وكان يرغب أن يكون له اسم كبير في الديار الشرقية لتكون درجته فوق درجة نقفور ملك القسطنطينية وكان يرغب أن يكون حامياً للعيسويين في البلاد الإسلامية وخصوصاً زائري القدس فأرسل إلى بغداد سفراء يستجلبون رضا هارون الرشيد وكان لشارلمان غرض من مصافاة الرشيد فوق ما تقدم وهو إضعاف الدولة الأموية بالأندلس ففاز سفير شارلمان برضا الرشيد فسر بذلك لأنه عده فوزاً على نقفور ولهذا لما قدم سفير الرشيد على شارلمان قابله بمزيد الإكرام واستفاد شارلمان من ذلك التودد فائدتين الأولى تمكنه من حرب الدولة الأموية بالأندلس وتداخله في مساعدة الخارجين عليها والثانية نيله رضا الرشيد. وقد أراد أيضاً أن يغتنم غنيمة علمية فإن أوروبا في ذلك الوقت كانت مهد جهالة لأنه بانقراض الرومانيين وغلبة الأمم المتبربرة على أوروبا انطفأ مصباح العلم أما الحال في البلاد الإسلامية فكانت على العكس من ذلك علماً وعملاً سواء في ذلك بغداد وقرطبة فسعى شارلمان في إصلاح قوانين دولته مقلداً هارون الرشيد وذهب إلى أوروبا أطباء تعلموا في البلاد الإسلامية وكانوا من اليهود فانتخب منهم شارلمان رجلاً يقال له إسحاق وأرسله إلى الرشيد مصحوباً ببعض الهدايا وبعد أربع سنين عاد إسحاق مع ثلاثة من رجال الرشيد ومعهم هدايا وهي ساعة وراغنون وفيل وبعض أقمشة نفيسة، فلما نظرها رجال شارلمان ظنوها من الأمور السحرية وأوقعتهم في حيرة وهموا بكسر الساعة فمنعهم الامبراطور، وفي ذلك التاريخ اتفقوا على أمور تتعلق بحماية المسيحيين الذين يتوجهون لزيارة القدس. أما علاقة بغداد بقرطبة فكانت شر علاقة إذ أن الرشيد كان ينظر إلى بني أمية نظر الخارجين على دولته فكان يود محوهم ولكن القوم كانوا أكبر من ذلك وأقوى فقاوموا شارلمان مقاومة عظيمة ولم يتمكن أن يفعل بهم شراً. أخلاق الرشيد: كان الرشيد خليفة ديناً محافظاً على التكاليف الشرعية أتم محافظة فأما صلاته فكان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة. وكان له سمير فكه هو ابن أبي مريم المدني كان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته. وأما صدقته فقد كان كل يوم يتصدق من صلب ماله بألف درهم سوى العطايا التي كانت تهطل على الناس منه ولم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال ثم المأمون بعده. وأما حجه فإنه كان لا يتخلف عنه إلا إذا كان مشغولاً بالغزو فهو في كل عام بين غاز وحاج وقد أقام للناس حجهم تسع مرات في سني حكمه وهي السنوات70و73 و74 و75 و77 و80 و81 و86 و88 بعد المائة وكان إذا حج حج معه من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج يحج عنه ثلثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة. وكان يسمع وعظ الواعظين وهو عند ذلك رقيق القلب سريع الدمعة. دخل عليه ابن السماك الواعظ فقال له: الرشيد عظني، فقال: يا أمير المؤمنين اتق اللَّه وحده لا شريك له واعلم أنك غداً بين يدي اللَّه ربك ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالث لهما جنة أو نار فبكى هارون حتى اخضلت لحيته. وأما جهاد الرشيد فإنه كان لا يترك الخروج مع جنده بل كان غالباً في مقدمتهم حتى لا يعتاد الراحة ولا يقعده الترف عن القيام بهذا الواجب حتى كان من ضمن مآثره أنه كان يغزو سنة ويحج أخرى. وفاة الرشيد: خرج الرشيد من بغداد في خامس شعبان سنة192 قاصداً خراسان عندما بلغه استفحال أمر رافع بن الليث بما وراء النهر واستخلف ابنه محمداً الأمين بمدينة السلام وخرج معه ابنه عبد اللَّه المأمون ولم يزل الرشيد في مسيره حتى وافى مدينة طوس في صفر سنة193 وهناك اشتدت به علته ولحق بربه ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة193 وصلى عليه ابنه صالح لأن المأمون كان قد سبقه إلى مرو حاضرة خراسان ودفن الرشيد بهذه المدينة. وكان للرشيد اثنا عشر ولداً ذكراً وأربع بنات فذكور أولاده محمد الأمين من زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر وعلي من زوجته أمة العزيز أم ولد موسى الهادي وعبد اللَّه المأمون والقاسم والمؤتمن ومحمد المعتصم وصالح ومحمد أبو عيسى ومحمد أبو يعقوب ومحمد أبو العباس ومحمد أبو سليمان ومحمد أبو علي ومحمد أبو أحمد وهم لأمهات أولاد شتى. وتزوج الرشيد بست زوجات مات عن أربع منهن وهن زبيدة وأم محمد بنت صالح المسكين والعباسة بنت سليمان بن المنصور والجرشية بنت عبد اللَّه العثمانية. ( الأمين ) ترجمته: هو محمد الأمين بن هارون الرشيد وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور فهو هاشمي أباً وأماً ولم يتفق ذلك لغيره من الخلفاء إلا لعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه ولابنه الحسن. ولد سنة170 من الهجرة وولاه أبوه العهد سنة185 وكان قائماً مقام أبيه ببغداد حينما سافر إلى خراسان ولما مات الرشيد بطوس بويع له في عسكر الرشيد بالخلافة ووصل الخبر إلى بغداد فبايعه الخاصة والعامة واستمر في الخلافة إلى أن قتل في25 محرم سنة198 (5 سبتمبر سنة813 فكانت مدته أربع سنوات إلا أربعة أشهر تقريباً. الحال الداخلية لذلك العهد: كانت هذه المدة التي وليها الأمين مملوءة بالمشاكل والاضطرابات بين الأخوين الأمين والمأمون وكادت الأمة تذهب بينهما ضياعاً وسبب ذلك ما فعله الرشيد من ولاية العهد لأولاده الثلاثة أحدهم بعد الآخر وقسمته البلاد بينهم ونحن نبين كيف ابتدأت المشاكل وكيف انتهت ونبين آثارها في الأمة: لما كان الرشيد بطوس جدد البيعة لابنه المأمون على القواد الذين معه وأشهد من معه من القواد وسائر الناس أن جميع من معه من الجند مضمومون إلى المأمون وأن جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون. ولما علم الأمين وهو ببغداد مرض أبيه وأنه لمآبه أرسل من يفيده الأخبار كل يوم وأرسل كتباً تسلم إلى من أرسلت إليه بعد وفاة الرشيد فلما توفي كان من تلك الكتب كتاب للمأمون يعزيه فيه عن أبيه ويأمره أن يأخذ البيعة على من قبله للأمين بالخلافة وللمأمون بولاية العهد وللقاسم المؤتمن بعده. ومنها كتاب لصالح بن الرشيد وقد كان أكبر ولد الرشيد الذين معه وهو الذي صلى عليه حين مات وقد أمره فيه بالاجتهاد والتشمير وأن يأخذ البيعة على من معه للأمين ثم المأمون ثم المؤتمن على الشريطة التي اشترطها الرشيد وأمره بالمسير إليه مع جميع الجنود والذخائر والسلاح وقال له في الكتاب وإياك أن تنفذ رأياً أو تبرم أمراً إلا برأي شيخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع وفيه وإن أمرت لأهل العسكر بعطاء أو أرزاق فليكن الفضل بن الربيع المتولي لإعطائهم على دواوين يتخذها لنفسه بمحضر من أصحاب الدواوين فإن الفضل بن الربيع لم يزل مثل ذلك لمهمات الأمور. لما قرأ الذين وردت عليهم كتب محمد الأمين بطوس من القواد والجند وأولاد هارون تشاوروا في اللحاق بمحمد فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكاً حاضراً لآخر لا يدري ما يكون من أمره، وأمر الناس بالرحيل ففعلوا ذلك محبة منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون. انتهى خبر ذلك إلى المأمون وهو بمرو فجمع من معه من قواد أبيه واستشارهم فأشاروا عليه أن يلحقهم في ألفي فارس تجريدة فيردهم فدخل عليه الفضل بن سهل وهو عنده من أعظم الناس قدراً وأخصهم به فقال له إن فعلت ما أشاروا به عليك جعلت هؤلاء هدية إلى محمد ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتاباً وتوجه إليهم رسولاً فتذكرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث وما يلزمهم في ذلك في الدين والدنيا فعل ذلك المأمون ووصل الكتاب والقوم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل فلم يفد هذا الجواب فائدة وتم الفضل بن الربيع على سيره. ولما جاء المأمون خبر ذلك كان الفضل بن سهل حاضراً فأزال عنه الانزعاج أمله في الخلافة فجعل أمره إليه وأمره أن يقوم به بعد أن رفضه كبار القواد الذين معه فكان من أول تدبيره أن يبعث إلى من بالحضرة من الفقهاء فيدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وأن يقعد على اللبود ويرد المظالم ليكون بذلك قريباً من نفوس الجمهور ففعل. ولم يبدأ المأمون أخاه بشيء يريبه بل تواترت كتبه إليه بالتعظيم والهدايا إليه من طرف خراسان من المتاع والآنية والمسك والدواب والسلاح. أما الأمر في بغداد فقد كان يدل على شر مستطير فإن الفضل بن الربيع بعد مقدمه العراق ناكثاً للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه للمأمون رأى أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوماً وهو حي لم يبق عليه فحث محمداً على خلفه وأن يولي العهد من بعده ابنه موسى ولم يكن ذلك من رأي محمد ولا عزمه بل كان عزمه الوفاء لأخويه بما أخذ عليه الرشيد لهما من العهود فلم يزل به الفضل حتى أزاله عن رأيه فأول ما بدأ به أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالأمرة بعد الدعاء له وللمأمون والقاسم. فلما بلغ ذلك المأمون وبلغه أن الأمين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه من الأعمال وأقدمه بغداد علم أنه يدبر في خلعه فقطع البريد عنه وأسقط اسمه من الطرار. كرر الأمين تجربته فكتب إلى العباس بن عبد اللَّه بن مالك وهو عامل المأمون على الري وأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الري مريداً بذلك امتحانه فبعث إليه بما طلب فبلغ ذلك المأمون فعزل العباس عن ولايته. ثم بعث الأمين إلى المأمون ثلاثة نفر أحدهم العباس بن موسى بن عيسى والغرض من هذا الوفد أن يطلبوا من المأمون رضاه بتقديم موسى بن الأمين على نفسه في ولاية العهد فلما اطلع المأمون على مرادهم رد ذلك وأباه، وعرض الفضل بن سهل على العباس بن موسى أن يكون عوناً لهم ومنوه الأماني إن هو أجاب إلى ذلك فرضي وكان بعد ذلك يكتب إليهم بالأخبار ويشير عليهم بالرأي عاد الوفد إلى الأمين وأخبروه بامتناع المأمون. لم يخفض ذلك من غلواء الفضل بن الربيع بل ما زال يلح على الأمين حتى رضي أن يخلع المأمون ويبايع لابنه موسى بولاية العهد، ونهى الفضل عن ذكر المأمون والقاسم والدعاء لهما على شيء من المنابر ووجه إلى مكة كتاباً مع رسول من حجبة البيت في أخذ الكتابين اللذين كتبهما هارون وجعلهما بالكعبة فأحضرهما إلى بغداد فمزقا. وكان الأمين قبل أن يكاشف أخاه بذات نفسه أرسل إليه يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سماها وأن يوجه العمال إليها من قبل محمد وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد عليه ليكتب إليه بخبره فكتب إليه جواب ذلك: بلغني كتاب أمير المؤمنين يسأل التجافي عن مواضع سماها مما أثبته الرشيد في العقد وجعل أمره إليّ وما أمره رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز أكثره غير أن الذي جعل إلى الطرف الذي أنا به لا ظنين في النظر لعامته ولا جاهل بما أسند إليّ من أمره ولو لم يكن ذلك مثبتاً بالعهود والمواثيق المأخوذة ثم كنت على الحال التي أنا عليها من إشراف عدو مخوف الشوكة وعامة لا تتألف عن هضمها وأجناد لا يستتبع طاعتها إلا بالأموال وطرف من الأفضال لكان في نظر أمير المؤمنين لعامته وما يحب من أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيراً من عنايته وأن يستصلحه ببذل كثير من ماله فكيف بمسألة ما أوجبه الحق ووكدته مأخوذة العهد؟ وإني لأعلم أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع ما كتب بمسألته إليّ ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله. وكان المأمون قد وجه حارسه إلى الحد فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء ولا يدعه يستعلم خبراً ولا يؤثر أثراً ولا يستتبع بالرغبة ولا بالرهبة أحداً ولا يبلغ أحداً قولاً ولا كتاباً فحصر أهل خراسان من أن يستمالوا برغبة أو أن تودع صدورهم رهبة ويحملوا على منوال خلاف أو مفارقة ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظنة في أمره ممن أتى بجواز في مخرجه إلى دار مآبة أو تاجر معروف مأمون في نفسه ودينه ومنع الاشتاتات من جواز السبل والقطع بالمتاجر والوغول في البلدان في هيئة الطارئة والسابلة وفتشت الكتب. هكذا دبر الفضل بن سهل أمر صاحبه فلم يدع للفضل بن الربيع مجالاً لرسله ورواده أن يبثوا شيئاً في عامة أهل خراسان ولما أتت رسل الأمين بجواب كتب الأمين وجدوا جميع ما كانوا يؤملونه ممنوعاً عنهم موصداً بابه دونهم. لم يكن لهذه المكاتبات بين الأخوين نتيجة لأنه كان لكل منهما سائق يسوقه فللأمين الفضل بن الربيع الذي لم يكن يحب المأمون ولا ولايته وللمأمون الفضل بن سهل الذي كان يأمل الخلافة لصاحبه وأن تكون مرو حاضرة الخلافة العظمى وتعود لخراسان عظمتها. بلغ المأمون ما أقدم عليه أخوه من خلعه عن ولاية العهد وترك الدعاء له فكان أول ما فعله الفضل ابن سهل من التدبير أن جمع الأجناد التي كان أعدها بجنبات الري مع أجناد قد كان مكنها فيها وأجناد للقيام بأمرهم وأقامهم بالحد لا يتجاوزونه ولا يطلقون يداً بسوء في عامة ولا مجتاز ثم اختار لقيادة الجند طاهر بن عيسى الخزاعي مولاهم فسار طاهر مغذاً لا يلوي على شيء حتى ورد الري فنزلها ووكل بأطرافها ووضع مسالحه وبث عيونه وطلائعه. أما الفضل بن الربيع فإنه اختار لجند العراق علي بن عيسى بن ماهان وولاه الأمين كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقم وأصبهان وأعطى جنده من الأرزاق شيئاً كثيراً وأمدهم بالسلاح والعدة فشخص من بغداد في منتصف جمادى الآخرة سنة195 وكان معه زهاء أربعين ألفاً وحمل معه قيد فضة ليقيد به المأمون كما شاءت زبيدة أم الأمين وقد خدم الأمين أخاه بهذا التعيين خدمة عظيمة فإن أهل خراسان لم ينسوا ما عاملهم به علي بن عيسى من الفظائع مدة ولايته في عهد الرشيد فكان تعيينه لحربهم مما أثار في قلوبهم الحمية لرد هذا العدو بعد أن أبدلهم اللَّه خيراً منه عدلاً ورفقاً وحسن سياسة وهو عبد اللَّه المأمون. وبينما كان هذا القائد يسير مدلاً بنفسه وبمن معه مستخفاً بعدوه كان طاهر يدبر أمره مع قواده ويسير سير من يريد مواقعة عدو أكثر منه عدداً وعدة وقد استقر رأيه على أن يجعل مدينة الري وراء ظهره ويقاتل بعيداً عنها فعسكر على خمسة فراسخ منها وأقبل إليه علي بن الحسين وقد عبأ جنده وهم في أكمل عدة وأحسن زي فكتب طاهر كتائبه وكردس كراديسه وسوى صفوفه وجعل يمر بقائد قائد وجماعة جماعة يعظهم ويثبتهم ثم تلاحم الفريقان واقتتلوا قتالاً شديداً فعلت ميمنة علي على ميسرة طاهر ففضتها فضاً منكراً وميسرته على ميمنته فأزالتها عن موضعها فقال طاهر: اجعلوا بأسكم وجدكم على كراديس القلب فإنكم لو قد فضضتم منهم راية واحدة رجعت أوائلها على أواخرها فصبر أصحابه صبراً صادقاً ثم حملوا على أولي رايات القلب فهزموهم وأكثروا فيهم القتل. وصل هذا الخبر بغداد على غير ما ينتظر القوم فانتخب الأمين جيشاً ثانياً جعله تحت قيادة عبد الرحمن بن خبلة الأنباري وعدة هذا الجيش عشرون ألف رجل من الأبناء وحمل معه الأموال وقواه بالسلاح والخيل وأجازه بجوائز وندب معه فرسان الأبناء وأهل البأس والنجدة والغناء منهم وأوصى قائده بالتحفظ والاحتراس وترك ما عمل به علي بن عيسى من الاغترار والتضجع فسار عبد الرحمن حتى نزل همذان فضبط طرقها وحصن سورها وأبوابها وسد ثلمها وحشر إليها الأسواق والصناع وجمع فيها الآلات والمير واستعد للقاء طاهر ومحاربته. ولما بلغ طاهراً خبره توجه إليه حتى أشرف على همذان فخرج إليه عبد الرحمن فيمن معه على تعبئة فاقتتل الفريقان قتالاً شديداً إلى أن انهزم عبد الرحمن ودخل همذان فلبث فيها حتى قوي أصحابه واندملت جراحهم ثم خرج ثانية إلى اللقاء فلقيه طاهر وفعل به ما فعل في المرة الأولى فعاد إلى همذان فحصره فيها طاهر حتى جهد من قلة المادة فطلب الأمان له ولمن معه فأمنه طاهر. ولما تم لطاهر هذا النصر طرد عمال محمد من قزوين. كان ذلك سبباً لارتباك الفضل بن الربيع وشعوره بزوال الدولة فدعا أسد بن يزيد بن مزيد وهو من قواد الدولة المعدودين وقال: له أنت فارس العرب وابن فارسها فزع إليك الأمين في لقاء هذا الرجل وأطمعه فيما قبلك أمران أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك وقد أمرني بإزاحة علتك وبسط يدك فيما أحببت غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة فانجز حوائجك وعجل المبادرة إلى عدوك فإني أرجو أن يوليك اللَّه شرف هذا الفتح ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة فلم يمتنع أسد وإنما طلب لجنده مطالب هي أن يؤمر لأصحابه برزق سنة ويخص من لا خاصة له منهم من أهل الغناء والبلاء وأبدل من فيهم من الزمني والضعفاء وأحمل ألف رجل ممن معي على الخيل ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور فقال له: الفضل قد اشتططت ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين ثم ركبا إليه فدخل عليه الفضل أولاً ثم دخل أسد فما كان بينهما إلا كلمتان حتى غضب الأمين وأمر بحبس أسد ثم قال: هل في أهل بيت هذا من يقوم مقامه فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتهم وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم فقالوا: نعم فيهم أحمد بن مزيد وهو أحسنهم طريقة وأصلحهم نية في الطاعة وله مع هذا بأس ونجدة وبصر بسياسة الجنود ولقاء الحروب فاستدعاه محمد وقال له إنه قد كثر عليّ تخليط ابن أخيك وتنكره وطال خلافه عليّ حتى أوحشني ذلك منه وولد في قلبي التهمة له وصيرني بسوء المذهب وحنث الطاعة إلى أن تناولته من الأدب والحبس بما لم أحب أن أكون أتناوله به وقد وصفت لي بخير ونسبت إلى جميل فأحببت أن أرفع قدرك وأعلي منزلتك وأقدمك على أهل بيتك وأن أوليك جهاد هذه الفئة الباغية الناكثة وأعرضك للأجر والثواب في قتالهم ولقائهم فانظر كيف تكون وصحح نيتك وأعن أمير المؤمنين على اصطناعك وسره في عدوه ينعم سرورك وتشريفك. ثم أمر الفضل أن يدفع إليه دفاتر أسد وأن يضم إليه من شهد العسكر من رجال الجزيرة والأعراب، فخرج أحمد فانتخب الرجال واعترض الدفاتر فبلغت عدة من معه عشرين ألف رجل ووجه الأمين عبد اللَّه بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفاً أخرى وأمرهما أن ينزلا حلوان ويدفعا طاهراً عنها وتقدم إليهما في اجتماع الكلمة والتواد والتحاب على الطاعة فتوجها حتى نزلا قريباً من حلوان بخانقين. أما طاهر فإنه أقام بموقعه وخندق عليه وعلى أصحابه ودس العيون والجواسيس إلى عسكر عدوه فكانوا يأتونهم بالأراجيف ولم يزل يحتال في وقوع الخلاف بينهم حتى اختلفوا وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضاً فأخلوا خانقين ورجعوا عنها من غير أن يلقوا طاهراً فتقدم طاهر حتى نزل حلوان. ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ورد عليه هرثمة بن أعين أحد قواد المأمون ومعه كتاب من المأمون والفضل بن سهل يأمره فيه بتسليم ما حوى من الكور والمدن إليه ويتوجه إلى الأهواز فسلم ذلك إليه وأقام هرثمة بحلوان فحصنها ووضع مسالحه ومراصده في طرقها وجبالها وتوجه طاهر إلى الأهواز ليكون الهجوم على بغداد من جهتين. هذه حال الاضطراب في جند الأمين أما جند المأمون فكان على العكس من ذلك كان هادئاً منتظماً لا تزيده الأيام إلاّ قوة. انقسم إلى قوتين قوة مع هرثمة بن أعين تريد بغداد من جادة المشرق وقوة مع طاهر بن الحسين تريد بغداد من جادة الأهواز والبصرة. ذهب طاهر إلى فارس فاستولى عليها بعد أن أوقع بعاملها محمد بن يزيد المهلبي وقعة شديدة بسوق الأهواز وقتل محمد بن يزيد وكان ترتيب جند طاهر في مسيره وحربه حائزاً الغاية من النظام والاحتراس فضلاً عما حازه من الاسم الكبير الذي يفت في الأعضاد. أقام بفارس مدة أنفذ فيها العمال إلى الكور وولي على اليمامة والبحرين وعمان مما يلي الأهواز ومما يلي عمل البصرة ثم سار متوجهاً إلى واسط فجعلت المسالح والعمال تتقوض مسلحة مسلحةوعاملاً كلما قرب منهم طاهر تركوا أعمالهم وهربوا عنها حتى قرب من واسط فهرب عنها عاملها قائلاً إنه طاهر ولا عار في الهرب منه دخل طاهر واسطاً ومنها وجه قائداً إلى الكوفة وعليها العباس بن موسى الهادي فبادر إلى خلع الأمين ومبايعة المأمون وأرسل بذلك إلى طاهر فتم له ما بين واسط إلى الكوفة وأنفذ كتب التولية إلى العمال وكذلك بايع المأمون أمير البصرة وهو المنصور بن المهدي وكان ذلك كله في رجب سنة196. ثم سار طاهر إلى المدائن فاستولى عليها من غير قتال. فيتلك الأثناء حصل في الحجاز ما زاد المأمون قوة والأمين خذلاناً ذلك أن داود بن عيسى كان عاملاً للأمين على مكة والمدينة فلما بلغه ما فعل الأمين من خلع المأمون وأخذه الكتابين اللذين كانا بجوف الكعبة وتمزيقهما جمع حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود وكان داود أحدهم فذكرهم بما كان الرشيد أخذ عليهم من العهود أن يكونوا مع المظلوم من ولديه على الظالم وأخبرهم أن محمداً كان الذي قد بدأ بالظلم فخلع أخويه وبايع لابنهالصغير لذلك رأيت خلعه وأن أبايع للمأمون فأجابه إلى ذلك أهل مكة وفي 27 رجب سنة196 نادى داود في البيت الحرام بخلع الأمين وبيعة المأمون ثم كتب إلى ابنه سليمان وهو خليفة على المدينة يأمره أن يفعل بها فعل أهل مكة ففعل. ولما تم ذلك سار داود بنفسه إلى مرو وأعلم المأمون بما تم في الحجاز فسر المأمون جد السرور وتيمن ببركة مكة والمدينة وكتب إلى أهل الحجاز كتباً يعدهم فيها الخير ويبسط أملهم وأقر داود على ولاية الحجاز فعاد مغذاً ليدرك الحج ومر وهو عائد على طاهربن الحسين فوجه معه يزيد بن جرير القسري والياً على اليمن وكان يزيد هذا داعية أهل اليمن إلى بيعة المأمون فأجابوه. اجتمعت جيوش طاهر وهرثمة حول بغداد وحوصرت من ثلاث جهات فنزل هرثمة نهر بين وأعد المجانيق والعرادات وأنزل عبيد اللَّه بن الوضاح الشماسية ونزل طاهر البستان بباب الأنبار ونزل المسيب بن زهير قصر ورقة كلواذي. وقد نصب المسيب المجانيق والعرادات واحتفر الخنادق وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر فيرمي بالعرادات من أقبل ومن أدبر ويعشر أموال التجارة ويجبي السفر وبلغ من الناس كل مبلغ. أحسّ محمد بالضيق ومنعت عنه الأموال فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم وحملها لأصحابه في نفقاته. استمرت هذه الشدائد على بغداد وما فيها حتى استنفد الأمين كل وسائل الدفاع أيقن بالعطب إن هو استمر على الممانعة فاستشار من بقي من قواده فأشار عليه بعضهم أن يطلب لنفسه الأمان من هرثمة بن أعين ويسلم له فرضي وكتب إلى هرثمة بذلك فأجابه إليه ولما علم طاهر أبى إلا أن يكون خروجه إليه إذا شاء ولما لم يكن الأمين ميالاً إلى الخروج إلى طاهر اتفق القواد أن يخرج ببدنه إلى هرثمة وأن يدفع إلى طاهر الخاتم والقضيب والبردة ثم علم طاهر أنهم يمكرون به فاستعد للأمر وكمن حول القصر كمناء بالسلاح فلما خرج الأمين كانت حراقة هرثمة تنتظره فركبها ولم تسر بهم إلا قليلاً حتى خرج أصحاب طاهر فرموا الحراقة بالسهام والحجارة فانكفأت الحراقة وغرق هرثمة ومحمد الأمين فأما هرثمة فأدركه أصحابه وأما محمد فسبح في الماء حتى أدركه أصحاب طاهر فأسروه فأمرهم طاهر بقتله فقتل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة198 وفي الصباح كتب طاهر إلى المأمون يخبره بما تم وبالأسباب التي جعلته يأمر بقتل الأمين. ثم دخل طاهر المدينة فأمن أهلها وهدأ الناس وكان دخوله إليها يوم الجمعة فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة حضهم فيها على الطاعة ولزوم الجماعة ورغبهم في التمسك بحبل الطاعة وانصرف إلى معسكره. ( المأمون ) ترجمته: هو عبد اللَّه المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي. وأمه أم ولد اسمها مراجل ولد سنة170 في اليوم الذي ولي فيه أبوه الخلافة. وولاه أبوه العهد وسنه13سنة بعد أخيه الأمين وضمه إلى جعفر بن يحيى وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ومنحه بمقتضى الشروط التي عقدها استقلالاً يكاد يكون تاماً، ولما توفي أبوه لم يف له أخوه بعهده بل أراد أن يقدم عليه في ولاية العهد ابنه موسى فأبى ذلك المأمون. الأحوال في المدة الأولى: لما تم الأمر للمأمون بالعراق على يد القائدين العظيمين طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين كان الذي يدير الأمر بمرو الفضل بن سهل الذي يرى لنفسه الفضل الأكبر في تأسيس دولة المأمون فأراد أن يستفيد من هذه الدولة فيستأثر بنفوذ الكلمة فيها وليس يتم له ذلك والعراق بين يدي طاهر وهرثمة فأصدر أمرين على لسان المأمون أولهما بتولية الحسن بن سهل جميع ما افتتحه طاهر من كور الجبال وفارس والأهواز والبصرة والكوفة والحجاز واليمن. وكتب إلى طاهر أن يسلمه جميع ما بيده من الأعمال وأن يشخص إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب فلم يسع طاهراً إلا أن يسمع ويطيع فسلم ذلك كله. والأمر الثاني إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان فشخص وبذلك خلا العراق من أسديه وأهل العراق من قديم عبيد القوة ولا سيما أنهم خارجون من ثورة وهيجان فكان من اللازم أن تظل تلك الأيدي المرهوبة حتى يستكين الناس ويخضعوا. ولم يبق المأمون بعد ذلك بخراسان. هل كان الفضل بن سهل يريد أن يحول الخلافة الإسلامية إلى مرو فيجعلها حاضرة البلاد الإسلامية أو رأى أن نفوذه يضعف إذا حل الخليفة بغداد وبها الألسنة التي لا تمل الوشايات فخشي من ذلك على مركزه سواء كان السبب في تخلفه هذا أو ذاك فقد نتج عن هذا التدبير مضار شديدة واضطرابات كادت ترجع ملك المأمون أثراً بعد عين؟ شاع بالعراق بعد خروج طاهر وولاية الحسن بن سهل أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون وأنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قواده وأنه يبرم الأمور على هواه فغضب لذلك من كان بالعراق من بني هاشم ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل على المأمون واستخفوا بالحسن بن سهل وهاجت الفتن في الأمصار وأول فتنة كانت خروج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي خرج بالكوفة وقام بأمر رجل كبير من رجال هرثمة بن أعين وهو أبو السرايا السري بن منصور الشيباني فاستولى على الكوفة من يد نائب عاملها سليمان بن أبي جعفر المنصور فأرسل إليه الحسن بن سهل جيشاً يقوده زهير بن المسيب عشرة آلاف فهزمه أبو السرايا واستباح عسكره وأخذ ما كان معه من مال وسلاح ودواب وفي غد ذلك اليوم مات محمد بن إبراهيم فجأة وذلك يوم الخميس أول رجب سنة199 فولى أبو السرايا بدله غلاماً أمرد حدثاً وهو محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي وكان أبو السرايا هو الذي ينفذ الأمور ويولي من رأى ويعزل من شاء وإليه الأمور كلها. أرسل الحسن جيشاً ثانياً بقيادة عبدوس بن محمد بن أبي خالد المروروذي فتوجه إليه أبو السرايا وأوقع به وقعة في17 رجب سنة199 فقتله وأسر أخاه هارون واستباح عسكره وكانوا نحو أربعة آلاف رجل فلم يفلت منهم أحد. انتشر بعد ذلك الطالبيون في البلاد وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ونقش عليها {إن اللَّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}. وكان للطالبيين في تلك الفتن أسوأ أثر بمكة والمدينة فإن أبا السرايا كان قد ولي مكة حسين بن حسن بن علي بن الحسين بن علي وكان بها داود بن عيسى بن موسى العباسي والياً فلم يرض القتال في الحرم وخرج عن مكة فدخلها الحسين قبل مغرب يوم عرفة ولما تفرق الحاج من مكة جلس خلف المقام على نمرقة مثنية فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجردت حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئاً ثم كساها ثوبين من خز رقيق كان أبو السرايا وجه بهما معه مكتوب عليهما أمر به الأصفر بن أبي الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت اللَّه الحرام وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس ليطهر من كسوتهم وكتب سنة199 ثم قسم الكسوة التي كانت على الكعبة بين أصحابه وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه ولم يسمع بوديعة عند أحد لبني العباس وأتباعهم إلا هجم عليه في داره فإن وجد من ذلك شيئاً أخذه وعاقب الرجل وإن لم يجد عنده شيئاً حبسه وعذبه حتى يفتدي نفسه بقدر طوله ويقر عنده الشهود أن ذلك للمسودة من بني العباس وأتباعهم حتى عم ذلك خلقاً كثيراً وكان لهم دار اسمها دار العذاب يعذب فيها الناس حتى هرب منهم خلق كثير من أهل النعم فيتبعوهم بهدم دورهم وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذي في رؤوس أساطين المسجد فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهب أو نحوه حتى عم ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام وقلعوا الحديد الذي على شبابيك زمزم وخشب الساج فبيع بالثمن الخسيس. انتهت هذه الفتن العلوية التي عادت بالضرر على البلاد والعباد والفضل في انتهاء أمرها لهرثمة بن أعين القائد المحنك. ولما فرغ هرثمة من أداء تلك المهمة أراد أن يتوجه إلى المأمون بمرو ليطلعه على حقيقة الحال وما ينكره الناس عليه من استبداد الفضل بن سهل على أمره ولم يكن مما يروق في عين الفضل فأفهم المأمون أن هرثمة قد أفسد البلاد وأنه هو الذي دس إلى أبي السرايا حتى صنع ما صنع ولو شاء أن لا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعل لأنه كان من ضمن جنوده. وكان المأمون قد كتب لهرثمة كتاباً من الطريق ليرجع ويلي الشام والحجاز فأبى هرثمة أن يرجع حتى يرى أمير المؤمنين ويبين له حقيقة الحال فكان ذلك مما زاد المأمون وحشة منه. ولما بلغ هرثمة مرو خشي أن يكتم المأمون خبر قدومه فضرب الطبول كي يسمعها المأمون فلما سمعها سأل فقالوا هرثمة جاء يبرق ويرعد وظن هرثمة أن قوله المقبول فأدخل على المأمون وقد أشرب قلبه منه ما أشرب فلم يسمع منه كلمة وأمر به فوجىء عنقه وديس بطنه وسحب بين يديه وقد تقدم الفضل إلى الأعوان بالتغليظ عليه والتشديد فمكث في حبسه أياماً ثم دسوا إليه فقتلوه وقالوا إنه مات. هكذا ذهب القائد العظيم من غير جناية ضحية خبث البطانة. ومما كان في تلك الآونة أن المأمون اختار لولاية عهده عليّ الرضا بن موسى بن جعفر الصادق وهو الثامن من أئمة الشيعة الإمامية الاثنا عشرية وسماه الرضا من آل محمد وأمر جنده بطرح السواد شعار العباسيين ولبس ثياب الخضرة الذي اختاره شعاراً للدولة الجديدة وكتب بذلك إلى الآفاق ويغلب على الظن أن هذا من عمل الفضل بن سهل لأن الفرس يعجبهم أن يكون إمام المسلمين علوياً وطالما قاتلوا في سبيل رجوع السلطان إلى بني علي وهذه فرصة يأخذون فيها الخلافة من غير حرب ولا قتال وساعد على ذلك ما كان يراه المأمون نفسه من تفضيل عليّ على غيره من الخلفاء الراشدين وأنه كان أحق بالخلافة منهم ولا نرى ذلك جاء المأمون إلا من البيئة التي تربى فيها فإنه كان في أول أمره في حجر جعفر البرمكي ثم انتقل إلى الفضل بن سهل وكلهم ممن يتشيع فاختمرت عنده هذه الفكرة على غير ما كان عليه آباؤه. بلغ ذلك أهل بغداد فاختلفوا فقال بعضهم نبايع ونلبس الخضرة وقال بعضهم لا نبايع ولا نلبس الخضرة ولا نخرج هذا الأمر من ولد العباس وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل فمكثوا على ذلك أياماً وغضب ولد العباس من ذلك واجتمع بعضهم إلى بعض وتكلموا فيه وقالوا نولي بعضنا ونخلع المأمون واتفقوا أخيراً على مبايعة إبراهيم المهدي عم المأمون بالخلافة وخلعوا المأمون وكان ذلك في أول المحرم سنة202. بلغت هذه الأحوال المأمون ويقال إن الذي أبلغه إياها عليّ الرضا ولي عهده فإنه أخبره بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار وأن أهل بيته قد نقموا عليه أشياء فبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة فقال له المأمون: إنما بايعوه ليكون أميراً لهم يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشه وأن الحرب قائمة بين إبراهيم بن المهدي والحسن بن سهل وأن الناس ينقمون عليه مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك وسمى له عدة من القواد يشهدون بما قال فأحضرهم المأمون وسألهم فأخبروه بالخبر على وجهه بعد أن أعطاهم أماناً من الفضل بن سهل وأخبروه بما موّه عليه الفضل في أمر هرثمة وأن هرثمة إنما جاء ناصحاً ليبين له ما يعمل وأنه إن لم يتدارك الأمر خرجت الخلافة منه ومن أهل بيتته وأن الفضل دس إلى هرثمة من قتله وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى حتى إذا وطأ الأمر أخرج من ذلك كله وصير في زاوية من الأرض بالرقة قد حظرت عليه الأموال حتى ضعف أمره فشغب عليه جنده وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترأ عليه بمثل ما اجترىء به على الحسن بن سهل وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد فإن بني هاشم والموالي والقواد والجنود لو رأوك سكنوا وفاءوا بالطاعة لك. لما تحقق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد ولم يسلم هؤلاء القواد من شر الفضل بل عاقبهم بالحبس والطرد فراح عليّ الرضا إلى المأمون وأعلمه بما كان من ضمانه لهم فأعلمه أنه يداري ما هو فيه. ارتحل المأمون من مرو حتى سرخس وهناك شد قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام فضربوه بسيوفهم حتى مات وذلك في2 شعبان سنة202 فأخذ ضاربوه وهم أربعة من خدم المأمون فلما جيء بهم إليه قالوا أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت أعناقهم. وسوابق العلة تؤكد أن صدورها كان بتدبير المأمون لأنه أحسّ بثقل يد الفضل عليه وبما كان من غشه له وأنه ما دام معه لا يرى من أهل بغداد طاعة فاحتال بهؤلاء الخدم ثم قتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل وعزاه وأخبره أنه صيره مكانه. رحل المأمون من سرخس يوم عيد الفطر وكان هذا الرحيل سبباً لاختلاف القواد ببغداد على إبراهيم بن المهدي لأن السبب الذي من أجله خلعوا المأمون قد زال فاضطرب أمر إبراهيم ببغداد. لما صار المأمون بطوس حدثت حادثة أخرى وهي وفاة علي الرضا ويتهمون المأمون بأنه سمه وليس عندنا من البراهين ما يؤكد هذه التهمة لأنه بقدر ما يقربها إرادة المأمون التقرب إلى أهل بغداد والعباسيين بالتخلص منه يبعدها ما كان مغروساً في نفس المأمون من محبة آل أبي طالب وأنه صاهر علياً وأن علياً هو الذي أظهر له حقيقة ما كان يدور بالعراق من الفتن ولا يبعد عندي أنه من فعل بعض البطانة المأمونية ليخففوا عن المأمون اضطراب العباسيين ويخلصوا مما يعتقدونه شراً وهو خروج الخلافة من آل العباس. وهناك كتب المأمون إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موت علي بن موسى. رحل المأمون من طوس إلى الري وهناك تحبب إلى أهلها بإسقاط ألفي ألف درهم من خراجها. وكان كلما قرب من بغداد زاد الاضطراب على إبراهيم بن المهدي وقام القواد في وجهه حتى كتبوا إلى قائد من قواد الحسن بن سهل يطلبون إليه الحضور ليسلموا إليه بغداد فلم يلبث أن حضر وسلم له جند بغداد المدينة وأعلن خلع إبراهيم بن المهدي والدعوة للمأمون فاختفى إبراهيم ليلة الأربعاء 17ذي الحجة سنة203 فكانت أيامه كلها ببغداد سنة واحدة وأحد عشر شهراً وأثني عشر يوماً. ما زال المأمون ينتقل من منزلة إلى منزلة حتى وصل النهروان وهناك خرج إليه أهل بيته والقواد ووجوه الناس فسلموا عليه ووافاه طاهر بن الحسين من الرقة لأنه أمره بذلك وفي يوم السبت لأربع عشر بقيت من صفر سنة204 دخل مدينة بغداد في لباسه ولباس أهله الخضرة أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم فلبس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم أجمعون. ومكثوا على ذلك ثمانية أيام فتكلم في ذلك بنو هاشم وولده العباس خاصة وقالوا يا أمير المؤمنين تركت لباس آبائك وأهل بيتك ودولتك ولبست الخضرة وكتب إليه في ذلك قواد أهل خراسان وسأله طاهر بن الحسين أن يرجع إلى لبس السواد فلما رأى المأمون طاعة الناس له في لبس الخضرة وكراهتهم لها قعد لهم وعليه ثياب خضر فلما اجتمعوا عنده دعا بسواد فلبسه ودعا بخلعة سواد فألبسها طاهراً ثم دعا بعدة من قواده فألبسهم أقبية وقلانس سوداً فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد طرح سائر القواد والجند لبس الخضرة ولبسوا السواد وابتدأ من ذلك الوقت ملك المأمون الحقيقي. الوزارة في عهد المأمون: أول وزراء المأمون الفضل بن سهل وهو فارسي الأصل أسلم على يد المأمون سنة190 ويقال إن أباه سهلا أسلم على يد المهدي والذي اختار الفضل للمأمون هو الرشيد بإشارة جعفر بن يحيى فكان مدبر أمره وهو ولي عهده ولما فعل الأمين ما فعل دبر الفضل أمر إرسال الجنود وتدبير ما يلزمهم فأرسل طاهر بن الحسين لمحاربة علي بن عيسى بن ماهان. ولما انتصر طاهر لقب الفضل ذا الرياستين وجعل له علماً على سنان ذي شعبتين وكتب على سيفه من جانب رياسة الحرب ومن الجانب الآخر رياسة التدبير وولاه المأمون في هذه السنة وهي سنة196 على المشرق كله وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم نحو ستين ألف جنيه. استوزر المأمون بعد وفاة الفضل بن سهل أحمد بن أبي خالد وأصله شامي مولى لبني عامر بن لؤي وكان أبوه كاتباً لعبيد اللَّه كاتب المهدي أحضره المأمون بعد وفاة الفضل بن سهل وقال له إني كنت عزمت ألا أستوزر أحداً بعد ذي الرياستين وقد رأيت أن أستوزرك، فقال: يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين الغاية منزلة يتأملها صديقي فيرجوها لي ولا يقول عدوي قد بلغ الغاية وليس إلا الانحطاط. فاستحسن المأمون كلامه واستوزره. وكان أحمد هذا من خيار الوزراء يحب أن تخلص قلوب الرعية لإمامه فكان دائم المشورة بما يسر أنفسهم ويسل دفين الأحقاد من صدورهم. ومن عيوب أحمد بن أبي خالد أنه كان شرهاً يتقرب إليه الناس بالمآكل لينالوا ما عنده من المصالح وكان المأمون يعرف ذلك منه فأجرى عليه كل يوم لمائدته ألف درهم لئلا يشره إلى طعام أحد من بطانته وكان مع هذا يشره إلى طعام الناس وتمتد عينه إلى هدية تأتيه وكان مع هذا أسي اللقاء عابس الوجه يهر في وجوه الخاص والعام غير أن فعله كان أحسن من لقائه وكان من عرف أخلاقه وصبر على مداراته نفعه وأكسبه. توفي أحمد بن أبي خالد في ذي القعدة سنة211 وصلى عليه المأمون ولما دلي في حفزته ترحم عليه. استوزر المأمون بعده أحمد بن يوسف كان كاتباً من خيرة الكتاب وأجودهم خطاً حتى قال له المأمون يوماً: يا أحمد لوددت أني أخط مثل خطك وعلى صدقة ألف ألف درهم وكان يجيد الكتابة حتى كان المأمون إذا كان يتولى عمرو بن مسعدة ديوان الرسائل كان يكلف أحمد بن يوسف بكتابة الكتب التي يريد أن تشهر وتذكر وولاه المأمون ديوان السر وبريد خراسان وصدقات البصرة ولما مات أحمد بن أبي خالد استوزره مكانه. استوزر المأمون بعده القاضي يحيى بن أكثم التميمي كان من جلة العلماء الفقهاء الذين لهم قدم ثابتة في الحديث والفقه والأصول تولى قضاء البصرة وسنه عشرون سنة ثم اتصل بالمأمون وصله به ثمامة بن أشرس العالم المتكلم الذي كان المأمون يثق به كثيراً فلما احتاج المأمون إلى من يوليه الوزارة عرضها على ثمامة فامتنع منها ووصف له يحيى فاستوزره وولاه مع ذلك قاضي القضاة فكان إليه تدبير المملكة والقضاء وقلما اجتمعا في شخص. العلويون وآثارهم في الدولة: قدمنا ما كان من المأمون من اختياره لولاية عهده علي الرضا بن موسى الكاظم وهو الثامن من أئمة الشيعة الإمامية الإثني عشرية واتخاذه الشعار الأخضر بدل الأسود وما ترتب على ذلك من الاضطراب في بغداد وقيام أبي السرايا والعلويين الذين قاموا من أجل قيامه في الأمصار الكبرى ثم ما كان من وفاة علي الرضا بطوس وانتهاء فتنة أبي السرايا وسقوط جميع العلويين الذين خرجوا في ذلك الوقت بالبصرة والحجاز واليمن. ونزع المأمون للشعار الأخضر بعد حلوله ببغداد وعودته إلى شعار أهل بيته وهو السواد. وكان المأمون قد صاهر علياً فزوجه ابنته ثم زوج محمد بن علي المعروف بالجواد وهو الإمام التاسع من أئمة الشيعة ابنته الأخرى ولم يكن من محمد هذا ما يريب المأمون وكان المأمون يعامل الطالبيين معاملة تناسب اعتقاده في فضل أبيهم إلى أن خرج في سنة207 باليمن من آل أبي طالب عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب فوجه إليه المأمون دينار بن عبد اللَّه في جيش كثيف وكتب معه بأمانه فحضر دينار بن عبد اللَّه الموسم وحج ولما فرغ من حجه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن فبعث إليه بأمانه من المأمون فقبل ذلك ودخل ووضع يده في يد دينار فخرج به إلى المأمون فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه وأمر بأخذهم بلبس السواد. وبسبب اختلال الأمن في البلاد اليمنية ورسوخ التشيع فيها أراد المأمون أن يختار لولاية تهامتها من يأخذ على أيدي المفسدين فيها فأشار عليه الحسن بن سهل برجل من ولد زياد بن أبي سفيان وهو محمد بن إبراهيم الزيادي فولاه إياها سنة203 فتوجه فحج ثم ذهب إلى اليمن ففتح تهامة واختط مدينة زبيد سنة204 وهي التي صارت حاضرة تهامة. وقد عظم أمر الزيادي بعد ذلك باليمن وصار كملك مستقل إلا أنه كان يخطب لبني العباس ويحمل إليهم الخراج والهدايا وطال ملكه إلى سنة245 ثم صار الملك في أبنائه ثم في مواليهم وموالي مواليهم إلى سنة554 وتعرف هذه الدولة بالدولة الزيادية وهي أول الدول استقلالاً باليمن. إبراهيم بن المهدي: قدمنا ما كان من بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي إذ كان المأمون بمرو فلما شخص المأمون إلى بغداد وعلم بقدومه القواد الذي كانوا مع إبراهيم تركوه فلما رأى ذلك اختفى وظل مختفياً ببغداد يتنقل من دار إلى دار سنة210 وفي تلك السنة أخذه حارس أسود وهو متنقب مع امرأتين في زي امرأة فأعلم المأمون بخبره فأمر بالاحتفاظ به ثم دخل عليه فقال له: هيه يا إبراهيم فقال: يا أمير المؤمنين ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن تناوله الاعتزاز بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه وقد جعلك اللَّه فوق كل ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك. قال: بل أعفو يا إبراهيم. فذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه قصيدة قال: أقول ما قال يوسف لإخوته {لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللَّه لكم وهو أرحم الراحمين}. بابك الخرمي: بين أذربيجان وأران في شمال بلاد الفرس كورة تدعى البذ يمر بها نهر الرس العظيم بهذه الكورة خرج بابك التي امتدت فتنته زمناً طويلاً في عهد المأمون والمعتصم وكان خروجه سنة221 في عهد المأمون ومنتهاه سنة231 في عهد المعتصم. أخذ بابك ومن معه في العيث والفساد وإخافة السبل وأول ما عرف ذلك من أمره كان سنة والمأمون بمرو لم يبرحها إلى بغداد فلما شخص المأمون إلى بغداد عين أحد قواده يحيى بن معاذ لحرب بابك فكانت بينهما وقعة لم ينتصف فيها أحدهما من الآخر فاختار المأمون قائداً آخر هو عيسى بن محمد بن أبي خالد فولاه أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك فنكب ثم وجه إليه صدقة بن علي المعروف بزريق وندب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي فأسره بابك ثم وجه إليه محمد بن حميد الطوسي فقتله بابك سنة214 بهشتادسر وفض عسكره وقتل جمعاً كثيراً ممن كان معه هكذا كان كلما أرسل لحرب بابك قائداً لم يصنع شيئاً لمكان بابك الحصين وقوته الكبيرة وشدة تأثيره في قلوب الجمهور الذين كانوا معه وقد ذكر في حوادث سنة228 دخول جماعة كثيرة من أهل الجبال من همذان وأصبهان وماسبذان ومهرجان قذق في دين الخرمية وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان ذلك أول ولاية المعتصم فوجه إليهم الجنود وكان آخر عسكر وجه إليهم وجهه المعتصم مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد له على الجبال فشخص إليهم وفض جموعهم وقتل في عمل همذان ستين ألفاً منهم وهرب سائرهم إلى بلاد الروم فقبلهم ملك الروم أحسنقبول وفرض لهم وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعين بهم في أهم أموره. وكان من وصية المأمون لأخيه المعتصم حين أدركته المنية والخرمية فاغزهم ذا جزامة وصرامة وجلد واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك واعمل في ذلكعمل مقدم النية فيه راجياً ثواب اللَّه عليه لذلك بذل المعتصم جهده في كسر شوكة بابك لئلا يمتد شر بدعته في البلاد الفارسية فاختار لحربه قائداً تركياً من كبار قواده وهو حيدر بن كلوس الأشروسني المعروف بالأفشين (الأفشين لقب لملوك أشروسنة) وذلك سنة230. توجه الأفشين حتى أتى برزندفعسكر بها ورم الحصون فيما بين برزند وأردبيل وأنزل قواداً من قواده ببعض الحصون هناك لحراسة القوافل والسابلة وأطلق الأفشين عيونه وجواسيسه لتعرف الأخبار عن بابك. وأول وقعة كانت بينه وبين عسكر بابك بأرشق أحد حصون الأفشين حيث خرج بابك ليقنص مالاً أرسله المعصتم مع أحد قواده فبلغ خبره الأفشين فخرج إليه سراً والتقيا على مقربة من الحصن فأتى جند الأفشين على جميع رجالة بابك وأفلت هو في نفر يسير ودخل موفان ومنها توجه إلى البذ وعاد الأفشين إلى عسكره ببرزند. استمرت الحروب بين الأفشين وبابك مدة طويلة وكانوا لا يتحاربون إلا إذا انصرم الشتاء لمكان الثلوج الشديدة التي كانت تكسو رؤوس الجبال وتمنع المشاة من التقدم إلى أن كان الربيع سنة221 فسار الأفشين من مكانه يريد مهاجمة البذ وأخذه عنوة فسار محترساً وقد رتب أموره أدق ترتيب لما هو قادم عليه فاستعرت لظى الحرب بين الفريقين واستبسلا كلاهما وانتهى الأمر باقتحام المسلمين البذ واستيلائهم عليها وقد أراد بابك الهرب وشرع فيه فأفسد عليه الأفشين تدبيره وسد عليه المسالك وأوقف عليها جنداً من جيشه وأخيراً قبض عليه وعلى أخيه عبد اللَّه وعاد بهما الأفشين إلى شامرا كما أمره المعتصم ومعهما17رجلاً من أهل بيته ومن البنات والكتاب23 امرأة وكان يوم دخولهم سامرا يوماً مشهوداً ثم قتل بابك وصلب بسامرا وفعل مثل ذلك بأخيه عبد اللَّه ببغداد. وكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة25500 إنسان وغلب كثيراً من القواد الذين ذكرناهم وكان عنده من الأسرى الذين استنقذهم الأفشين7600. العلم في عهد المأمون : كان عهد المأمون من أرقى عهود العلم في العصر العباسي وذلك لأمرين الأول أن المأمون نفسه قد اشتغل بالعلم وأمعن فيه حينما كان بمرو فقد جالس كثيراً من العلماء وأخذ عنهم جملة صالحة من العلوم الدينية كالحديث والتفسير والفقه واللغة العربية فكان لذلك محباً للعلم ولازدياد نشره. الثاني ما كان من الأمة نفسها إذ ذاك حيث وجد فيها شوق إلى العلم والبحث وكثرة العلماء في كل مصر من أمصار المسلمين كما سنبينه فتوافق رأي الإمام واستعداد الأمة فكان من وراء ذلك ما نقصه من تقدم حركة العلم ورفعة بغداد. أما العلوم الدينية فمنها ما يرجع لأصل الدين وهو علم الكلام أو التوحيد ومنها ما يرجع إلى أحكام الأعمال وهي الفقه وأصوله وأدلة تلك الأحكام من القرآن والحديث. الأحوال الخارجية: لم يكن بين المسلمين والروم حروب في أول عهد المأمون إلى سنة215 وفيها شخص المأمون بنفسه من مدينة السلام لغزو الروم في المحرم (مارس سنة830 ) واستخلف على المدينة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وسلك طريق الموصل حتى صار إلى منبج ثم دابق ثم أنطاكية ثم المصيصة ومنها خرج إلى طرسوس وهي الثغر الإسلامي ومن طرسوس دخل إلى بلاد الروم في منتصف جمادى الأولى (يوليه سنة830) ففتح حصن قرة عنوة وأمر بهدمه. ولما تم فتحه اشترى السبي بستة وخمسين ألف دينار ثم خلى سبيلهم وأعطاهم ديناراً ديناراً وكان قبل ذلك الفتح حصناً اسمه ماجدة فمن على أهله ثم أرسل أشتاس إلى حصن سندس فأتاه برأسه ووجه عجيفاً وجعفر الخياط إلى صاحب حصن سنان فسمع وأطاع. وبعد ذلك شخص إلى الشام وهناك ورد الخبر عليه بأن ملك الروم قتل قوماً من أهل طرسوس والمصيصة عدتهم فيما يقال 6600 فأعاد الكرة على بلاد الروم فنزل على أنطيفوا فخرج أهلها على صلح وصار إلى هرقلة فخرج أهلها على صلح ووجه أخاه إسحاق فافتتح ثلاثين حصناً ووجه يحيى بن أكثم من طوانة فأغار وغنم ورجع إلى العسكر ثم خرج المأمون إلى كيسوم ثم إلى دمشق ومنها خرج إلى مصر في16 الحجة سنة216 ثم عاد منها إلى دمشق سنة217 فدخل أرض الروم ثالث مرة فأناخ على لؤلؤة مائة يوم ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفاً فاختدعه أهلها وأسروه فمكث أسيراً في أيديهم ثمانية أيام ثم أخرجوه وسار توفيل إلى لؤلؤة فأحاط بعجيف فصرف المأمون الجنود إليه فارتحل توفيل لموافاتهم وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بالأمان. وكاتب ملك الروم المأمون في سفرته هذه وأجابه المأمون على كتابه. أخلاق المأمون: أول ما ظهر من حلي المأمون ميله للعفو وكراهته للانتقام فإنه عفا عن جميع من ساعدوا خصومه عليه ولم يهجهم بشيء حتى الفضل بن الربيع الذي أخذ قواده وسلاحه وجنوده وجميع ما أوصى به أبوه له فذهب به إلى الأمين وتركه بمرو مجرداً عن كل ذلك ثم أفسد عليه أخاه وأغراه على خلعه وكان أشد عليه من كل شيء ومع هذا لم يؤاخذه
Recommended Posts
Create an account or sign in to comment
You need to be a member in order to leave a comment
Create an account
Sign up for a new account in our community. It's easy!
Register a new accountSign in
Already have an account? Sign in here.
Sign In Now