عادل محسن Posted أكتوبر 23, 2004 Report Posted أكتوبر 23, 2004 نسب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه وأمه هو سيدنا ونبينا محمد سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيِّ بن حكيم بن مُرّة بن كعب بن لُؤيِّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدِّ بن عَدْنان. وأمه صلى الله عليه وسلم هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم ابن مرة الذي هو الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه. وأجداده من جهة أبيه وأمه كلهم سادة كرام، وكل اجتماع بين أجداده وزوجاتهم كان شرعياً بحسب الأصول العربية، فلم يكن في نسبه الشريف شيء من سفاح الجاهلية فهو نسب شريف طاهر من آباء طاهرين وأمهات طاهرات والحمد لله رب العالمين. مولده صلى الله عليه وسلم وقد توفي والد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يترك من المال إلا خمساً من الإبل وأمَته (أم أيمن). ولما تمت مدة الحمل ولدته صلى الله عليه وسلم بمكة المشرفة في اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل، الذي يوافق سنة 571 من ميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وهو العام الذي أغار فيه ملك الحبشة على مكة بجيش تتقدمه الفيلة قاصداً هدم الكعبة (البيت الحرام) فأهلكهم الله تعالى. وكانت قابلته صلى الله عليه وسلم الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف وحاضنته أم أيمن بركة الحبشية أَمَة أبيه عبد الله، وقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وُلد مختوناً، وورد أيضا أن جده عبد المطلب ختنه يوم السابع من ولادته الذي سماه فيه.. رضاعه صلى الله عليه وسلم أرضعته صلى الله عليه وسلم أمه عقب الولادة، ثم أرضعته ثويبة أَمَة عمه أبي لهب أياماً، ثم جاء إلى مكة نسوة من البادية يطلبن أطفالاً يرضعنهم ابتغاء المعروف من آباء الرضعاء على حسب عادة أشراف العرب، فإنهم كانوا يدفعون بأولادهم إلى نساء البادية يرضعنهم هناك حتى يتربوا على النجابة والشهامة وقوة العزيمة، فاختيرت لإرضاعه صلى الله عليه وسلم من بين هؤلاء النسوة (حليمة) بنت أبي ذؤيب السعدية؛ من بني سعد بن بكر من قبيلة هوازن التي كانت منازلهم بالبادية بالقرب من مكة المكرمة، فأخذته معها بعد أن استشارت زوجها (أبو كبشة) الذي رجا أن يجعل الله لهم فيه بركة، فحقق الله تعالى رجاءه وبدل عسرهم يسراً، فَدَرَّ ثديها بعد أن كان لبنها لا يكفي ولدها ، ودَرَّت ناقتهم حتى أشبعتهم جميعاً بعد أن كانت لا تغنيهم ، وبعد أن وصلوا إلى أرضهم كانت غنمهم تأتيهم شباعاً غزيرة اللبن مع أن أرضهم كانت مجدبة في تلك السنة، واستمروا في خيروبركة مدة وجوده صلى الله عليه وسلم بينهم. ولما كمل له سنتان فصلته حليمة من الرضاع، ثم أتت به إلى جده وأمه وكلمتهما في رجوعها به وإبقائه عندها فأذنا لها بذلك. حادثة شق صدره صلى الله عليه وسلم بعد عودة حليمة السعدية به صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ديار بني سعد بأشهر، بعث الله تعالى مَلَكين لشق صدره الشريف وتطهيره، فوجداه صلى الله عليه وسلم مع أخيه من الرضاع خلف البيوت، فأضجعاه وشقا صدره الشريف وطهراه من حظ الشيطان، وكان ذلك الشق بدون مدية ولا آلة بل كان بحالة من خوارق العادة ، ثم أطبقاه، فذهب ذلك الأخ إلى أمه حليمة وأبلغها الخبر، فخرجت إليه هي وزوجها فوجداه صلى الله عليه وسلم منتقع اللون من آثار الروع ، فالتزمته حليمة والتزمه زوجها حتى ذهب عنه الروع ، فقص عليهما القصة كما أخبرهما أخوه. وقد أحدثت هذه الحادثة عند حليمة وزوجها خوفاً عليه، ومما زادها خوفاً أن جماعة من نصارى الحبش كانوا رأوه معها فطلبوه منها ليذهبوا به إلى ملكهم، فخشيت عليه من بقائه عندها، فعادت به صلى الله عليه وسلم إلى أمه وأخبرتها الخبر، وتركته عندها مع ما كانت عليه من الحرص على بقائه معها. وفاة أمه صلى الله عليه وسلم وكفالة جده وعمه له بعد أن عادت حليمة السعدية به صلى الله عليه وسلم إلى أمه - وكان إذ ذاك في السنة الرابعة من عمره الشريف - بقى مع أمه وجده عبد المطلب بن هاشم بمكة في حفظ الله تعالى، ينبته الله نباتاً حسناً ، ثم سافرت به أمه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة لزيارة أخواله هناك من بني عدى بن النجار ، فتوفيت وهي راجعة به من المدينة إلى مكة بجهة (الأبواء) بالقرب من المدينة ودفنت هناك، فقامت به إلى مكة حاضنته أم أيمن وقد بلغ من العمر يومئذ ست سنين، ولما وصلت إلى مكة كفله جده عبد المطلب بن هاشم، وحن إليه حناناً زائداً وعطف عليه عطفاً بليغاً، حتى توفي عبد المطلب وعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين. وكان جده عبد المطلب يوصي به عمه أبا طالب -الذي هو الأخ الشقيق لأبيه- فلما مات عبد المطلب كان صلى الله عليه وسلم في كفالة عمه أبي طالب يشب على محاسن الأخلاق، متباعداً عن صغائر الأمور التي يشتغل بها الصبيان عادة ، وقد بارك الله تعالى لأبي طالب في الرزق مدة وجوده صلى الله عليه وسلم في كفالته وفي وسط عياله. سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام لما أراد أبو طالب أن يسافر إلى الشام في تجارة له رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرافقه، فأخذه معه وسنه إذ ذاك اثنتا عشرة سنة ، ولما وصلوا بصرى وهي أول بلاد الشام من جهة بلاد العرب قابلهم بها راهب من رهبان النصارى اسمه (بحيرا) – كان يقيم في صومعة له هناك – فسألهم عن ظهور نبي من العرب في هذا الزمن، ثم لما أمعن النظر في النبي صلى الله عليه وسلم وحادثه عرف أنه النبي العربي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وقال لعمه أنه سيكون لهذا الغلام شأن عظيم، فارجع به واحذر عليه من اليهود ، فلم يمكث أبو طالب في رحلته هذه طويلاً بل عاد به إلى مكة حين فرغ من تجارته، وبقى صلى الله عليه وسلم في مكة مثال الكمال، محفوظاً من معايب أخلاق الجاهلية، شهماً شجاعاً حتى إنه حضر مع أعمامه حرب (الفجار) و (حلف الفضول)، وسنه إذ ذاك عشرون سنة. رحلته إلى الشام مرة ثانية في تجارة لخديجة بنت خويلد كان طريق الكسب في قريش هي التجارة، وكانت خديجة بنت خويلد من بني أسد بن عبد العزى بن قصي سيدة ذات مال، تتاجر في مالها بطريق المضاربة مع من تثق بهم من الرجال ، فلما سمعت بأمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه حتى اشتهر بين قومه باسم (الأمين) بعثت إليه، وعرضت عليه أن يسافر بمال لها إلى الشام وتعطيه من الربح أكثر مما كانت تعطى غيره، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسافر مع غلامها ( أى مملوكها) ميسرة فباع واشترى وعاد بربح عظيم. وقد شاهد ميسرة في هذه الرحلة كثيراً من بركات النبي صلى الله عليه وسلم وإكرام الله تعالى له، فإنه صلى الله عليه وسلم لما قدم الشام نزل في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب هناك، فقال هذا الراهب لميسرة أنه ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، وكان ميسرة يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مظللاً من حر الشمس وهو يسير على بعير بدون أن تكون معه مظلة. زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة بنت خويلد كانت خديجة مرغوبا فيها لشرف نسبها ورفعة قدرها بين قومها، فعرض النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أعمامه فوافقوه على زواجه صلى الله عليه وسلم، بها وتوجهوا معه إليها، وأتموا عقد الزواج بينهما ، وتولاه عنها عمها (عمرو بن أسد)، كما تولاه عن النبي صلى الله عليه وسلم عمه (أبو طالب) ، وكان صداقها عشرين بِكْرة ، وكان سن السيدة خديجة أربعين سنة وسنه صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة ، ولم يتزوج عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفيت رضى الله عنها، وكانت متزوجة قبله صلى الله عليه وسلم برجل اسمه (هند)، ولدت منه ولداً اسمه (هالة)، فكان ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد مكث صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بالسيدة خديجة يشتغل بالتجارة والتنسك، حتى بعثه الله رحمة للعالمين. شهوده صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة وعندما بلغ سن النبي صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة، اتفق أن نزل سيل عظيم بمكة أثر في جدران الكعبة فأوهنها -على ما كانت عليه من الضعف بسبب حريق أصابها من قبل، فاجتمعت قبائل قريش وشرعوا في هدمها وبنائها بناء مرتفعاً، وكان الأشراف منهم يتسابقون في نقل الحجارة وحملها على أعناقهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحمل الحجارة وينقلها الى مكان البناء، مع عمه العباس رضى الله عنه. بنيت الكعبة حينئذ بارتفاع ثماني عشر ذراعا، بحيث يزيد عن أصله تسعة أذرع، وقد رفع الباب بحيث لايصعد إليه إلا بدَرَج. و لما تم بناء الكعبةوأرادت قريش وضع الحجر الأسود في موضعه، اختلف أشرافهم فيمن يضعه، وظلوا مختلفين أربعة أيام، فأشار عليهم أبو أمية الوليد بن المغيرة - وهو أكبرهم سنا - بأن يحكِّموا بينهم من يرضون بحكمه، فاتفقوا على أن يكون الحكم لأول قادم من باب الصفا. فكان أول داخل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتاحوا جميعا لما يعهدونه من أمانته وحكمته وصدقه وإخلاصه للحق، وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد، فلما وصل إليهم وأخبروه الخبر بسط رداءه، وتناول الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بطرف من الرداء ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى وصلوا به إلى موضعه؛ فوضعه فيه بيده صلى الله عليه وسلم، وبذلك انتهت هذه المشكلة التي كادت تؤدى إلى الحرب والقتال فيما بينهم. سيرته صلى الله عليه وسلم في قومه قبل النبوة قد علمت أن الله تعالى قد أكرم آل حليمة السعدية التي أرضعته صلى الله عليه وسلم، فبدل عسرهم يسراً وأشبع غنيماتهم وأدر ضروعها في سنة الجدب والشدة، كما بارك سبحانه وتعالى في رزق عمه أبي طالب حينما كان في كفالته، مع ضيق ذات يده، وأنه سبحانه وتعالى كان يسخر له الغمامة تظله وحده من حر الشمس في سفره إلى الشام، فتسير معه أنى سار دون غيره من أفراد القافلة. وكان سبحانه وتعالى يلهمه الحق ويرشده الى المكارم والفضائل في أموره كلها، حتى إنه كان إذا خرج لقضاء الحاجة في صغره بَعُدَ عن الناس حتى لا يُرى. وكان سبحانه وتعالى يكرمه بتسليم الأحجار والأشجار عليه، ويُسمعه ذلك فيلتفت عن يمينه وشماله فلا يرى أحداً. وقد كان علماء اليهود والنصارى - رهبانهم وكهنتهم- يعرفون زمن مجيئه صلى الله عليه وسلم مما جاء من أوصافه في التوراة وما أخبر به المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فكانوا يسألون عن مولده وظهوره وقد عرفه كثيرون منهم لما رأوا ذاته الشريفة أو سمعوا بأوصافه وأحواله صلى الله عليه وسلم. وقد نشأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ممتازاً بكمال الأخلاق، متباعداً في صغره عن السفاسف التي يشتغل بها أمثاله في السن عادة، حتى بلغ مبلغ الرجال فكان أرجح الناس عقلاً، وأصحهم رأياً، وأعظمهم مروءة، وأصدقهم حديثاً، وأكبرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش، وقد لقبه قومه (بالأمين)، وكانوا يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم. معيشته صلى الله عليه وسلم قبل النبوة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم كان جده هاشم كبير قريش وسيدها، وكانت قريش أشرف قبائل العرب، وكانت إقامتهم بمكة وضواحيها، وكانت معيشتهم من التجارة في الثياب والبز (متاع البيت من جنس الثياب) وما يحتاجه العرب، وكان لهم رحلتان تجاريتان إلى الشام إحداهما في الصيف والأخرى في الشتاء، وكان أكثر ما يقتنون من النَّعم الإبل والغنم للانتفاع بظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها. فلما بلغ سناًّ يمكنه فيه أن يعمل عملا كان ينفق على نفسه من عمل يده، وقد كانت فاتحة عمله رعاية الغنم، كما هي سنة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه؛ لتدريبهم على رعاية الخلق بالرفق الذي تستدعيه هذه الرعاية، فكان ينفق من أجرة رعايته، ثم كان يتجر فيما كانت تتجر فيه قريش وينفق من كسب تجارته. وفي كل ذلك كان يعمل على قدر الحاجة، لا مستكثراً من الدنيا ولا تاركا لها تركا كلياًّ، ليهيئه الله تعالى لما أراده سبحانه منه من التفرغ للدعوة إلى دينه القويم. تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان من العرب قبل الإسلام من ينتمي إلى دين اليهودية، ومنهم من يدين بالنصرانية- على ما فيهما من تغيير وتحريف، والباقون عبدة أصنام وأوثان، وكان على ذلك عامة قريش إلا نفرا قليلا منهم كانوا يعيبون على قومهم عبادة هذه التماثيل. والذي ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يختلى في غار حراء من كل سنة شهر(وكان يوافق ذلك شهر رمضان)، يعبد الله تعالى بالتفكر، ويطعم المساكين مما كان يتزود به في مدة خلوته (وروى أنه كان يتزود الكعك والزيت، وكان كلما فرغ زاده رجع الى أهله فتزود وعاد)، وكان إذا انتهي من خلوته ينصرف إلى الكعبة فيطوف بها سبعاً أو ماشاء الله من ذلك قبل أن يرجع إلى بيته. ويسمى حراء: جبل النور، وهو على يسار السالك إلى عرفة، وبه ذلك الغار الذي كان يتعبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ضيق المدخل، ومساحته من الداخل تقرب من ثلاثة أمتار، وبه نزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم لأول مرة كما سيجيء، ويقال أن جده عبد المطلب كان يتعبد في حراء، ثم تبعه في ذلك من كان يتعبد منهم كورقة بن نوفل وأبي أمية بن العزى. وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب العزلة والخلوة من زمن طفولته إلى أن بعثه الله تعالى رحمة للعالمين. وقبيل مبعثه كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، أي واضحة وصريحة كوضوح ضوء الصباح وإنارته، أى أنها تتحقق في اليقظة مثل ما يراها في المنام، فكان ذلك مقدمة لنبوته صلى الله عليه وسلم. بدء الوحي لما كمل سنه صلى الله عليه وسلم أربعين سنة-وهو سن الكمال، أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة رحمة للعالمين. فبينما هو صلى الله عليه وسلم في خلوته بغار حراء، وكان ذلك في شهر رمضان على أصح الروايات، إذ جاءه جبريل الأمين عليه السلام بأمر الله تعالى، ليبلغه رسالة ربه عز وجل، ) وقد تمثل جبريل عليه السلام في هذه المرة بصورة رجل. فقال له: اقرأ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ (لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لم يتعلم القراءة)، فغطه جبريل عليه السلام في فراشه غطا شديدا (أى ضمه وعصره بشدة)، ثم أرسله فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه ثانية ثم أرسله وقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ثم غطه الثالثة وأرسله فقال له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ اْلإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلأَكْرَمِ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ اْلإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه جبريل عليه السلام وهو يقول: يامحمد أنت رسول الله وأنا جبريل. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله يرجف فؤاده مما أدركه من الروع لشدة مقابلة الملك فجأة وشدة الغطّ التي اقتضاها الحال. ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، ودخل على زوجه خديجة رضى الله عنها قال: زَمِّلوني زَمِّلوني (أي اطرحوا عليَّ الغطاء ولفوني به - ليذهب عنه الروع)، فلما ذهب عنه الروع أخبر خديجة رضي الله عنها بما كان، فقالت له: أبشر يا ابن عم واثبت، فإنى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم ذهبت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخا كبيرا يعرف الإِنجيل وأخبار الرسل، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، أي أن هذا الملك الذي جاءك هو الناموس؛ أى صاحب سر الوحي الذي نزله الله تعالى على نبيه موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يعرف من الكتب القديمة وأخبارها أن جبريل هو رسول الله إلى أنبيائه. ثم تمنى ورقة أن لو كان شابا يقدر على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهوره بأمر الرسالة ومعاداة قومه له؛ لأنه يعرف من أخبار الرسل أن قومهم يعادونهم في مبدإ أمرهم، ثم توفي ورقة بعد ذلك بزمن قريب. فترة الوحي وعودته بعد هذه الحادثة فتر الوحي وانقطع مدة لا تقل عن أربعين يوما، اشتدّ فيها شوق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوحي وشقّ عليه تأخره عنه، وخاف من انقطاع هذه النعمة الكبرى: نعمة رسالته عليه الصلاة والسلام بين الله عز وجل وبين عباده ليهديهم إلى صراطه المستقيم. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشى في أفنية مكة إذ سمع صوتا من السماء، فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بغار حراء وهو جبريل عليه السلام، فعاد إليه الرعب الذي لحقه في بدء الوحي فرجع إلى أهله وقال: دَثِّرونى دَثِّرونى (التدثير بمعنى: التزميل السابق بيانه). فأوحى الله تعالى إليه: يـَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلاَتَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. فأنذر: حذر الناس من عذاب الله إذا لم يفردوه بالعبادة. فكبر: أي عظِّمْ ربك وخُصَّه بالتعظيم والإجلال. فطهر: أي حافظ على الطهارة والنظافة من الأقذار والأنجاس. والرجز فاهجر: أي اترك المآثم والذنوب. ولا تمنن تستكثر: أي لا تتبع عطاياك وهباتك بالطمع في أخذ الزيادة ممن تعطيه. ولربك فاصبر: أي اصبر على ما يلحقك من الأذى في سبيل الدعوة إلى الإسلام ابتغاء وجه ربك. فكان ذلك مبدأ الأمر له صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام وبعد ذلك تتابع الوحي ولم ينقطع. الدعوة إلى الإسلام سرا على إثر عودة الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترته، قام عليه الصلاة والسلام بأمر الدعوة إلى ما أمره الله تعالى به من إرشاد الثقلين: الإنس والجن جميعا إلى توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون سواه من الأصنام والمخلوقات، وأرشد الله تعالى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يبدأ بالدعوة سراَّ؛ فكان يدعو إلى الإسلام من يطمئن إليه ويثق به من أهله وعشيرته الأقربين ومن يليهم من قومه، واستمر على ذلك ثلاث سنين مثابراً على الدعوة إلى الله تعالى خفية، حتى آمن به أفراد قلائل كانوا يقيمون صلاتهم ويؤدون ما أمروا به من شعائر الدين، مستخفين عمن سواهم لا يظهرون بذلك في مجامع قريش؛ بل كان الواحد منهم يختفي بعبادته عن أهله وولده. ولما بلغ عددهم نحو الثلاثين، وكان من اللازم اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم لإرشادهم وتعليمهم، اختار لهم عليه الصلاة والسلام داراً فسيحة لأحدهم، وهي دار الأرقم بن الأرقم، فكانوا يجتمعون فيها، واستمروا على ذلك يزيد عددهم قليلا قليلا حتى أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة. الباعث على الإسرار بالدعوة في أول ما نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- في أواخر شهر رمضان من السنة المتممة للأربعين من عمره الشريف بغار حراء الذي كان يتعبد فيه- لم يؤمر آنذاك بتبليغ الرسالة للناس، بل كان الأمر في ذلك قاصرا على إبلاغه رسالة ربه إليه، وتمجيده جلّ وعلا بما جاء في سورة (اقرأ باسم ربك)، وبعد أن فتر الوحي مدة عاد بأمر الله تعالى له بأن يقوم بتبليغ رسالة ربه. والداعي صلوات الله عليه وسلامه لم يكن له إذ ذاك ناصر ولا معين من خَلْق الله. ومن سنة الله تعالى في خلقه ربط الأسباب بالمسببات، فلم يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة من قبل أن يهيئ له أسباب النصر والفوز على من يقاومه في ذلك، خصوصاً أن قومه الذين بُعث فيها بينهم كانوا أشد الناس تمسكا بمعبوداتهم وحرصاً على ما كان عليه آباؤهم. فإعلان الدعوة يحتاج إلى مقدمة يستأنس بها الفريقان، وما ذلك إلا باجتذاب أفراد من هؤلاء وهؤلاء خفية؛ حتى إذا تكونت منهم جماعة وأعلنت بهم الدعوة؛ سهل على غيرهم أن ينبذوا تقاليد قومهم، ويتبعوا ما يدعوهم إليه الداعي مما تنشرح له صدورهم ولا تأباه فطرهم. أول من أسلم كان أول من سطع عليه نور الإسلام من مبدإ الدعوة إليه خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأسبقية إسلام السيدة خديجة على الجميع تكاد تكون بالاتفاق، والمشهور أن سيدنا أبا بكر الصديق أسبق الرجال إسلاما، وأن على بن أبي طالب أول الصبيان إسلاما، وأن زيد بن حارثة أول الموالى إسلاما. ثم أسلم ابن عمه على بن أبي طالب وعمره إذ ذاك عشر سنين؛ وكان مقيما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا حضرت الصلاة خرج به النبي صلى الله عليه وسلم إلى شعاب مكة مختفيين فيصليان ويعودان كذلك، وقد أسلم بعد ذلك زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، الذي تبناه بعد أن أعتقه وزوجه أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم، وقد كانت من السابقين إلى الإسلام. وأبو بكر الصديق رضى الله عنه وكان صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة يعرف صدقه، فعندما أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق، وقال: بأبي أنت وأمى أهل الصدق أنت، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر. وكان رضى الله عنه عظيما في قومه يثقون برأيه، فدعا إلى الإسلام من توسم فيهم الإجابة، فأجابه عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأتى بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وسعيد بن زيد العدوى، وأبو سلمة المخزومى، وخالد ابن سعيد بن العاص، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبيد الله، والأرقم بن الأرقم. وكل هؤلاء من بطون قريش. ومن غيرهم صهيب الرومي، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفارى، وعبد الله بن مسعود وغيرهم. وقد استمرت هذه الدعوة السرية ثلاث سنين، أسلم فيها جماعة لهم شأن في قريش وتبعهم غيرهم، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس، فجاء وقت الجهر بالدعوة. مبدأ الجهر بالدعوة بعد أن مضى على الإسرار بالدعوة ثلاث سنين كثر دخول الناس في دين الإسلام من أشراف القوم ومواليهم: رجالهم ونسائهم، وفشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس، فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة وأنزل عليه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) فبادر بامتثال أمر ربه؛ وأعلن لقومه الدعوة إلى دين الله تعالى؛ وصعد على الصفا ونادى بطون قريش. تذمر قريش من تسفيههم وعيب آلهتهم لما استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعلان الدعوة إلى الله وتوحيده لم يجد من قومه في مبدإ الأمر مقاومة ولا أذى، غير أنهم كانوا ينكرون عليه فيما بينهم فيقولون إذا مر عليهم: "هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء، هذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء". ولا يزيدون على ذلك، وأبو كبشة كنية لزوج حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن المرضعة بمنزلة الأم كذلك صاحب اللبن بمنزلة الأب. وكانوا يريدون بذلك تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم عنادا واستكباراً. ولكن لما استتبع إعلان الدعوة عيب معبوداتهم الباطلة، وتسفيه عقول من يعبدونها، نفروا منه وأظهروا له العداوة غيرة على تلك الآلهة التي يعبدونها كما كان يعبدها آباؤهم، فذهب جماعة منهم إلى عمه أبي طالب وطلبوا أن يمنعه عن عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه عقولهم أو يتنازل عن حمايته، فردهم أبو طالب رداً جميلا. ثم رأى أبو طالب أن يجمع بني هاشم وبني المطلب ليكونوا معه على حماية ابن أخيه؛ فأجابوه لذلك إلا أبا لهب فإنه فارقهم وانضم إلى بقية كفار قريش. فيما عرضته قريش عليه صلى الله عليه وسلم ليرجع عن الدعوة لما رأى كفار قريش أن طريق الأذى الذي لجأوا إليه لم يُجْدهم نفعا فيما يريدون؛ اجتمعوا للشورى فيما يعملون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لإرجاعه عن أمره، فاتفقوا على أن يبعثوا إليه عتبة بن ربيعة العبشمي (وكان من عظمائهم) ليعرض عليه أمورا لعله يقبلها ويرجع عن هذه الدعوة، فذهب إلى رسول الله صلى الله وسلم وهو يصلى في المسجد وقال له: يا ابن أخي إنك من خيارنا حسبا ونسبا، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت آلهتهم ودينهم ومن مضى من آبائهم، فإن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا (أي مسًّا) من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه. إيذاء قريش للمؤمنين كما أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الجهر بالدعوة إلى الإسلام أوذي أصحابه؛ فإن كل قبيلة كانت تسيئ إلى من أسلم منها وهم يتحملون تلك الإساءات بالصبر الجميل، فلم يفتتنوا عن دينهم بل ثبتوا على يقينهم حتى أتم الله تعالى أمره. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من الأذى؛ وهم غير قادرين على منعه لقلة عددهم وعدم استعدادهم إذ ذاك؛ أشار عليهم أن يهاجروا إلى الحبشة حتى يجعل الله لهم فرجاً مما هم فيه، فهاجر إليها منهم عشرة رجال وخمس نسوة في مقدمتهم سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه وزوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكثوا هناك ثلاثة أشهر رجعوا بعدها إلى مكة ولم يتمكنوا من دخولها إلا في حماية من أجارهم من عظماء القوم. الهجرة إلى الحبشة ولما وصلوا إلى الحبشة وكان ملكها عادلاً أكرمهم وأمنهم على عبادتهم ومكنهم من إعلانها، فلما علمت قريش بذلك أرسلت إلى نجاشي الحبشة وفدا يحمل إليه وإلى بطارقته الهدايا ليرد هؤلاء المهاجرين ويمنعهم من الإقامة في أرضه، فلم يرض النجاشي بذلك بل استحضر المهاجرين إليه وسألهم عماهم عليه من الدين، فكلمه جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه، وأبان له ما كانت عليه حالتهم قبل الإسلام وما جاءهم به الإسلام من ترك عبادة الأوثان وإفراد الله تعالى بالعبادة، وما أرشدهم إليه من مكارم الأخلاق، وقرأ عليه جعفر أول سورة مريم المشتملة على قصة مولد المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، فقال النجاشي: إن هذا مثل الذي جاء به المسيح، ثم سألهم عما يتقوله عليهم وفد قريش في حق المسيح، فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا؛ هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فقال النجاشي: إن عيسى ابن مريم لا يزيد على ذلك، ثم قال للمهاجرين: اذهبوا فأنتم آمنون، ورد على وفد قريش هداياهم، فرجعوا إلى قومهم 0 وفاة السيدة خديجة في الشهر الذي توفي فيه أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم توفيت أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل الهجرة إلى المدينة المنورة بثلاث سنين وقد حزن عليها حزناً شديداً لأنها كانت من أكبر أعوانه وأرق الناس له ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى توفاها الله تعالى إلى رحمته، وكان كثيراً ما يذكرها بعد وفاتها ويترحم عليها. وبعد وفاة السيدة خديجة بأيام تزوج صلى الله عليه وسلم بالسيدة سودة بنت زمعة العامرية القرشية، وقد كانت من السابقين إلى الايمان وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة في المرة الثانية ، وعقب رجوعه منها توفي عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي وهبت يومها لعائشة. ثم تزوج بالسيدة عائشة بنت سيدنا أبي بكر الصديق رضى الله عنهما، وهي بكر صغير بين السادسة والسابعة من عمرها ، وبني بها وهي بنت تسع سنين، وكانت أحب نسائه إليه ، ) وكانت أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق ، وكان أكابر الصحابة يرجعون إلى قولها ويستفتونها ، وما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في فراش امرأة غيرها. ثم تزوج بالسيدة حفصة بنت سيدنا عمر بن الخطاب ، ثم تزوج بالسيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية وتوفيت بعد بنائه بها بشهرين ، ثم تزوج بالسيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية. ثم تزوج بالسيدة زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته أميمة. ثم تزوج بالسيدة جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكانت من سبايا بني المصطلق فتزوجها صلى الله عليه وسلم بعد أن أعتقها ليقتدي به المسلمون، فأعتقوا من كان بأيديهم من نساء بني المصطلق إكراماً لمصاهرة رسول الله صلى عليه وسلم لهم، فأسلم بنو المصطلق جميعا فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها. ثم تزوج بالسيدة أم حبيبة، وتسمى هند أو رملة، بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشي الأموي، ثم تزوج بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، ثم بالسيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج بهن، وكانت قبله صلى الله عليه وسلم تحت عمه سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وهي خالة عبد الله بن عباس، وقد تزوجها بمكة في عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة ولم يدخل بها إلا بعد أن تحلل من عمرته.. وقد توفي صلى الله عليه وسلم عن تسع من نسائه: عائشة و حفصة و زينب بنت جحش وأم سلمة وصفية وأم حبيبة وميمونة وسودة وجويرية (وأول من توفي بعده منهن زينب بنت جحش وآخرهن أم سلمة). وقد تسرى صلى الله عليه وسلم بأربع إماء: منهن مارية القبطية وهي أم ولده (إبراهيم) الذي توفي طفلاً قبل الفطام، وكانت وفاته في السنة العاشرة من الهجرة. وكان من كتابـه صلى الله عليه وسلم سادتنا: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والزبير بن العوام ، وعمرو بن العاص ، وكثير غيرهم كانوا يكتبون الوحي والعهود وكتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء. عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل وبيعة العقبة الأولى لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش لا ينفكون عن مقاومته ومعارضته في تأدية رسالة ربه ، ألهمه الله تعالى أن يعرض نفسه على غيرهم من كبار العرب؛ عسى أن يجد منهم حماية وعضداً يعينه على تأدية الرسالة وتبليغ الدعوة ، فكان صلى الله عليه وسلم يخرج في مواسم العرب وأسواقهم التي كانوا يقصدونها للتجارة والمفاخرة –وخصوصاً مواسم الحج- داعياً لهم إلى الله تعالى ، قارئاً عليهم القرآن الكريم ، طالباً منهم نصره حتى يؤدى رسالة ربه ، فلم يكونوا يجيبونه، إلى أن قدم وفد من يثرب (المدينة المنورة، واسمها أيضاً طيبة) من قبيلة (الأوس) يريدون أن يعقدوا حلفا مع قريش لينصروهم على بني عمهم (الخزرج)، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بقدومهم قابلهم وقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ أنا رسول الله بعثنى الله إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. وتلا عليهم شيئاً من القرآن ، وذكر لهم أمور الإسلام ، فمال بعضهم إلى قبول الإسلام وأبي الآخرون، فانصرف الجميع إلى المدينة دون أن يسلموا. ثم وفد في موسم الحج جماعة من الخزرج، فقابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام وإلى معاونته في تبليغ رسالة ربه، وكانوا ستة رجال فأسلموا جميعاً ، ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل ، وهم أول من أسلم من عرب المدينة، وهم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله. فلما كان العام المقبل قدم خمسة منهم في اثنتي عشر رجلاً من الخزرج واثنان من الأوس، واجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة، وأسلم باقيهم، وبايعوا كلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف ، وأرسل معهم من يقرؤهم القرآن ويفقههم في الدين. وبذلك انتشر الإسلام في دور المدينة، وصار حديث القوم في مجتمعاتهم ونواديهم، وقد سميت هذه البيعة (بيعة العقبة الأولى). بيعة العقبة الثانية وهجرة بعض المسلمين إلى المدينة في موسم الحج في العام الذي يلي بيعة العقبة الأولى؛ وفد إلى مكة كثيرون من أهل المدينة ، فقابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووعدهم المقابلة ليلاً عند العقبة ، وأمرهم أن يكتموا أمرهم فلا يطلع على ذلك أحد من كفار قريش ، فتوجهوا إلى موعدهم في منتصف الليل كاتمين أمرهم عمن معهم من المشركين (وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس، وكان باقياً على دين قومه، وإنما أحضره معه ليتوثق له) ، فلما اجتمعوا قال لهم العباس: إن ابن أخى هذا لم يزل في منعة من قومه ، فإن كنتم ترون أنكم قوامون له بما دعوتموه إليه من البيعة ، وما نعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإلا فدعوه بين عشيرته ، فقال كبيرهم: إنما نريد الوفاء والصدق وبذل مهجنا دون رسول الله. وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم شروط البيعة ، فقال : أشترط لربى أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً ، ولنفسي أن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم. فبايعوه على ذلك، وكانوا ثلاثاً وسبعين رجلاً، منهم اثنان وستون من الخزرج ، وأحد عشر من الأوس ومعهم امرأتان وسميت هذه البيعة (بيعة العقبة الثانية). واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهؤلاء النقباء: أنتم كفلاء على قومكم ؛ كل على عشيرته ، فلما رجعوا إلى المدينة ظهر الإسلام بها أكثر من المرة الأولى. وقد شعرت قريش بهذه البيعة فازداد أذاهم للمسلمين الموجودين بمكة ، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسللون إليها وحدانا وجماعات، مختفين عن أعين قريش ، حتى إنه لم يبق بمكة إلا أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب وقليلون ممن لم يقدروا على الهجرة، وقد أراد أبو بكر رضى الله عنه الهجرة فأشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالانتظار حتى يأذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بالهجرة ، فانتظر أبو بكر رضى الله عنه، وأعد لذلك راحلتين كانتا عنده: إحداهما له والأخرى لرسول الله صلى عليه وسلم. الإسراء والمعراج قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة بقليل؛ أكرمه الله تعالى بالإسراء والمعراج. أما الإسراء فهو توجهه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام الذي فيه الكعبة المشرفة إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس (بالشام)، ليريه الله سبحانه وتعالى من عجائب آياته ما يناسب قدره العظيم. فقد ركب صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى البراق ، وهو دابة ليست كدوابنا هذه، وإنما هي شيء سخره الله تعالى لرسوله إكراماً وتعظيماً ، يضع ذلك البراق حافره عند منتهي طرفه، فسار به من المسجد الحرام بمكة حتى وصل إلى بيت المقدس في ليلته ، فدخل المسجد وصلى فيه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام إماماً. وأما المعراج فهو بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس ركب البراق وصعد به إلى السموات، فكان كلما وصل إلى سماء يستفتح جبريل فيقال: من أنت؟ ومن معك؟ فيقول: جبريل ومحمد، فيقال: أو قد بُعث إليه؟ فيقول: نعم، فيفتح لهما مع الترحيب والدعاء بالخير، حتى انتهيا من السماء السابعة، وبعدها توجه صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهي، وهناك شاهد ما لا تدرك العقول البشرية حقيقته، وأوحى الله تعالى إلى نبيه ما أوحى، وفرض سبحانه عليه وعلى أمته في ذلك الوقت خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ونزل صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى السماء السادسة، ولقي فيها سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فأخبره بما فرض الله عليه وعلى أمته، فأشار عليه أن يرجع فيسأل ربه التخفيف، فإن أمته لا تطيق ذلك. فلم يزل يرجع بين ربه عز وجل وبين موسى عليه السلام حتى جعل الله تعالى الصلوات المفروضة خمساً في الفعل وخمسين في الأجر. ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة من ليلته، فلما أصبح ذهب إلى نادى قريش فأخبر القوم بما رآه، فكذَّب من كذَّب وارتد بعض ضعاف القلوب عن الإسلام، ثم امتحنوه بوصف بيت المقدس فوصفه كما هو، ثم سألوه عن عير (قافلة تجارة) لهم في الطريق فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ووقت قدومها، فكان كما قال، ومع ذلك لم تردعهم تلك الأدلة الظاهرة عن عنادهم وكفرهم؛ إلا من وفقه الله تعالى وثبته على دين الإسلام. وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراه كيفية الصلوات الخمس وأوقاتها، وكانت الصلاة قبل ذلك ركعتين صباحاً وركعتين مساء كصلاة سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضى الله عنه لما علم كفار قريش أن رسول الله صلى عليه وسلم صارت له شيعة وأنصار من غيرهم، ورأوا مهاجرة أصحابه إلى أولئك الأنصار الذين بايعوه على المدافعة عنه حتى الموت، اجتمع رؤساهم وكبارهم في دار الندوة، وهي دار بناها قصي بن كلاب، كانوا يجتمعون فيها عند ما ينزل بهم حادث مهم، اجتمعوا ليتشاوروا فيما يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم. فقال قائل منهم: نحبسه مكبلا بالحديد حتى يموت، وقال آخر: نخرجه وننفيه من بلادنا، فقال أحد كبرائهم: ما هذا ولا ذاك برأي؛ لأنه إن حُبس ظهر خبره فيأتي أصحابه وينتزعونه من بين أيديكم، وإن نُفي لم تأمنوا أن يتغلب على من يحل بحيهم من العرب؛ بحسن حديثه وحلاوة منطقه حتى يتبعوه فيسير بهم إليكم، فقال الطاغية أبو جهل: الرأي أن نختار من كل قبيلة فتى جلداً ثم يضربه أولئك الفتيان ضربة رجل واحد؛ فيتفرق دمه في القبائل جميعاً؛ فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميع القبائل. فأعجبهم هذا الرأي واتفقوا جميعاً وعينوا الفتيان والليلة التي أرادوا تنفيذ هذا الأمر في سَحَرها، فأعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمع عليه أعداؤه، وأذنه سبحانه وتعالى بالهجرة إلى يثرب (المدينة المنورة)، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه وأخبره وأذن له أن يصحبه، واتفقا على إعداد الراحلتين اللتين هيأهما أبو بكر الصديق لذلك، واختارا دليلا يسلك بهما أقرب الطرق، وتواعدا على أن يبتدئا السير في الليلة التي اتفقت قريش عليها. وفي تلك الليلة أمر عليه الصلاة والسلام ابن عمه على ابن أبي طالب أن ينام في مكانه ويتغطى بغطائه حتى لا يشعر أحد بمبارحته بيته. ثم خرج صلى الله عليه وسلم، وفتيان قريش متجمهرون على باب بيته وهو يتلو سورة (يس)، فلم يكد يصل إليهم حتى بلغ قوله تعالى: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)، فجعل يكررها حتى ألقى الله تعالى عليهم النوم وعميت أبصارهم فلم يبصروه ولم يشعروا به، وتوجه إلى دار أبي بكر وخرجا معاً من خوخة في ظهر البيت، وتوجها إلى جبل ثور بأسفل مكة فدخلا في غاره. وأصبحت فتيان قريش تنتظر خروجه صلى الله عليه وسلم، فلما تبين لقريش أن فتيانهم إنما باتوا يحرسون على بن أبي طالب لا محمداً صلى الله عليه وسلم هاجت عواطفهم، وارتبكوا في أمرهم، ثم أرسلوا رسلهم في طلبه والبحث عنه من جميع الجهات، وجعلوا لمن يأتيهم به مائة ناقة، فذهبت رسلهم تقتفي أثره، وقد وصل بعضهم إلى ذلك الغار الصغير الذي لو التفت فيه قليلا لرأى من فيه. فحزن أبو بكر الصديق رضى الله عنه لظنه أنهم قد أدركوهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا)، فصرف الله تعالى أبصار هؤلاء القوم وبصائرهم حتى لم يلتفت إلى داخل ذلك الغار أحد منهم، بل جزم طاغيتهم أمية بن خلف بأنه لا يمكن اختفاؤهما به لِمَا رأوه من نسج العنكبوت وتعشيش الحمام على بابه. وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالغار ثلاث ليال حتى ينقطع طلب القوم عنهما، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ثم يصبح في القوم ويستمع منهم الأخبار عن رسول الله وصاحبه فيأتيهما كل ليلة بما سمع، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام في كل ليلة من هذه الليالي، وقد أمر عبد الله بن أبي بكر غلامه بأن يرعى الغنم ويأتى بها إلى ذلك الغار ليختفي أثره وأثر أسماء. وفي صبيحة الليلة الثالثة من مبيت رسول الله عليه وسلم وصاحبه بالغار، وهي صبيحة يوم الاثنين في الأسبوع الأول من ربيع الأول سنة الهجرة (وهي سنة ثلاث وخمسين من مولده صلى الله عليه وسلم، وسنة ثلاث عشرة من البعثة المحمدية) جاءهما بالراحلتين عامر بن فهيرة مولى أبي بكر؛ وعبد الله بن أريقط الذي استأجراه ليدلهما على الطريق، فركبا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة ليخدمهما، وسلك بهما الدليل أسفل مكة، ثم مضى بهما في طريق الساحل. وبينما هم في الطريق إذ لحقهم سراقة بن مالك المدلجى؛ لأنه سمع في أحد مجالس قريش قائلا يقول: إني رأيت أسودة بالساحل أظنها محمدا وأصحابه. فلما قرب منهم عثرت فرسه حتى سقط عنها، ثم ركبها وسار حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لايلتفت وأبوبكر يكثر الالتفات، فساخت قوائم فرس سراقة في الأرض فسقط عنها، ولم تنهض إلا بعد أن استغاث صاحبها بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد شاهد غباراً يتصاعد كالدخان من آثار خروج قوائم فرسه من الأرض، فداخله رعب شديد ونادى بطلب الأمان، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى جاءهم وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يقبلا منه شيئاً؛ وإنما قالا له: اكتم عنا، فسألهم كتاب أمن؛ فكتب له أبو بكر ما طلب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاد سراقة من حيث أتى كاتما ما رأى، وقد أخبر أبا جهل فيما بعد، وقد أسلم سراقة يوم فتح مكة وحسن إسلامه. واستمر رسول الله وصاحبه في طريقهما حتى وصلا قُباء، من ضواحي المدينة، في يوم الاثنين من ربيع الأول، فنزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني عمرو بن عوف ونزل أبو بكر رضى الله عنه بالسُّنْح (محلة بالمدينة أيضا) على خارجة بن زيد، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ليالى؛ أنشأ فيها مسجداً، هو الموصوف في القرآن الكريم بأنه أسس على التقوى من أول يوم، وصلى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من المهاجرين والأنصار، وقد أدركه صلى الله عليه وسلم بقباء على بن أبي طالب رضى الله عنه بعد أن أقام بمكة بعده بضعة أيام ليؤدى ما كان عنده من الودائع إلى أربابها. قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد كان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يخرجون خارج المدينة يترقبون مقدمه كل يوم حتى يردهم حر الظهيرة، فبعد أن رجعوا إلى منازلهم يوما سمعوا من ينادى بأعلى صوته: يا معشر العرب؛ هذا حظكم الذي تنتظرون، فخرجوا وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة (هي الأرض ذات الحجارة السوداء) قبل نزوله بقباء. ثم تحول عليه الصلاة والسلام من قباء إلى المدينة، يحيط به الأنصار فرحين متقلدي سيوفهم ما بين ماش وراكب، يتنازعون زمام ناقته كل يريد أن ينزل في داره والنساء والصبيان والولائد ينشدن: طلع البدر علينـا من ثنيـات الوداع وجب الشكر علينا ما دعــا لله داع أيها المبعوث فينـا جئت بالأمرالمطاع وكان ذلك في يوم الجمعة، فأدركته صلاتها في ديار بني سالم بن عوف، فنزل وصلاها، وهي أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شرعت في هذا التاريخ على أشهر الروايات.ثم ركب وسار، وكلما مرّ على دار من دور الأنصار يتضرع إليه أهلها أن ينزل عليهم، ويأخذون بزمام ناقته، فيقول: دعوها فإنها مأمورة. ولم تزل سائرة حتى أتت فناء بني عدى بن النجار أخواله صلى الله عليه وسلم، فبركت أمام دار أبي أيوب الانصارى، فقال عليه الصلاة والسلام: ههنا المنزل إن شاء الله تعالى، ونزل بدار أبي أيوب. وأقام بها أشهراً حتى اشترى الموضع الذي بركت فيه الناقة، وبني فيه المسجد، وقد بني المسجد باللبن مرتفعاً عن القامة قليلا، وجعلت عضادتا الباب من الحجارة، وسقف بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، وكان يعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه تشجيعاً للعاملين. وبني بجواره حجرتين لزوجتيه عائشة وسودة، ولم يكن له من الزوجات إذ ذاك غيرهما، وصارت الحجرات تبني حول المسجد كلما جاءت زوجة، وأرسل من استحضر له أهله؛ كما أرسل أبو بكر رضى الله عنه من استحضر أهله، فقدمت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة وأم كلثوم بنتاه، أما زينب ابنته صلى الله عليه وسلم فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع ، وقدم عبد الله بن أبي بكر بزوجة أبيه وأختيه عائشة وأسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملا بابنها عبد الله وهو أول مولود ولد للمهاجرين بالمدينة. وتلاحق المهاجرون فلم يبق من المسلمين إلا قليل ممن لم يتيسر لهم الرحيل. ولما تمت الهجرة إلى المدينة تنافس الأنصار في المهاجرين؛ كل يريد أن يكون له منهم الحظ الأوفر، فكانوا يقترعون عليهم في النزول، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوى الإخاء بينهم؛ فآخى بين كل أنصاري ونزيله من المهاجرين، فكان الأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم، وذلك أعلى درجة تقتضيها الأخوة في الله تعالى. الغزوات – أسبابها ومشروعيتها بعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكان بها اليهود من بني قينقاع وقريظة والنضير، أقرهم عليه الصلاة والسلام على دينهم وأموالهم، واشترط لهم وعليهم شروطاً، وكانوا مع ذلك يظهرون العداوة والبغضاء للمسلمين، ويساعدهم جماعة من عرب المدينة كانوا يظهرون الإسلام وهم في الباطن كفار؛ وكانوا يعرفون بالمنافقين، يرأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، وقد قبل صلى الله عليه وسلم من هاتين الفئتين (اليهود والمنافقين) ظواهرهم، فلم يحاربهم ولم يحاربوه بل كان يقاوم الإنكار بالحجج الدامغة والحكم البالغة. فلم يكن صلى الله عليه وسلم يقاتل أحداً على الدخول في دين الله، بل كان يدعو إليه ويجاهد في سبيله بإقامة ساطع الحجج وقاطع البراهين. ولكن لما كانت قريش أمة معادية له، مقاومة لدعوته، معارضة له فيها، وقد آذته وآذت المسلمين وأخرجتهم من ديارهم، واستولت على ما تركوه بمكة من الأموال، وآذت المستضعفين الذين لم يقدروا على الهجرة مع رسول الله وأصحابه، أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم وقتال كل معتد وصادٍّ عن الدعوة. فأول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك مصادرة تجارة قريش التي كانوا يذهبون بها إلى الشام والتي يجلبونها منه. وكان بعد ذلك - عندما تدعو الحال لقتال من يقف في وجه الدعوة من قريش أو غيرهم - يخرج إلى القتال بنفسه ومعه المقاتلون من المسلمين، وتارة يبعث مع المقاتلين من يختاره لقيادتهم، وقد سمى المؤرخون ما خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه (غزوة) سواء حارب فيها أم لم يحارب، وسموا ما بعث فيها أحد القواد (سرية). الغزوات والسرايا إجمالا 1. في السنة الأولى من الهجرة بعث سريتين. 2. وفي السنة الثانية غزا بنفسه سبع غزوات وبعث سرية واحدة، وأكبر غزواتها غزوة بدر: غزوة (ودان) وهي قرية بين مكة والمدينة، وكان خروجه لها ليعترض عيراً لقريش فوجدها قد سبقته فرجع. وغزوة (بواط) وهو جبل جهينة بين المدينة وينبع، وكان خروجه فيها ليعترض عبر قريش فوجدها قد سبقته فرجع. وغزوة (العشيرة) وهي موضع من بطن ينبع وسنأتي على ذكرها في الأصل عند الكلام على غزوة بدر الكبرى. وغزوة (بدر الأولى). (بدر) موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب في الجنوب الغربي منها، خرج فيها لتعقب من أغار على سرح المدينة فلم يجده. وغزوة (بدر الكبرى) وسنشرحها في الأصل. وغزوة بني (قينقاع) وهم حي من اليهود حول المدينة نبذوا عهد المسلمين وخانوهم، فخرج إليهم وحاصرهم خمس عشرة ليلة، حتى طلبوا منه أن يخرجوا من ديارهم بالنساء والأولاد ويتركوا للمسلمين الأموال، فقبل منهم ذلك وأجلاهم. وغزوة (السويق) التي خرج فيها أبو سفيان في مائتين إلى المدينة وأحرق بعض نخلها، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ففروا تاركين ما كانوا يحملون من أجربة السويق (ولذلك سميت غزوة السويق). 3. وفي السنة الثالثة غزا أربع غزوات وبعث سرية واحدة، وأهم غزواتها غزوة (أحد): غزوة (غطفان) وهم حي من قيس بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تجمعهم للإغارة على المدينة، فخرج اليهم فتشتتوا في رؤوس الجبال. وغزوة (بحران) وهو موضع بجهة الفرع من المدينة به قبيلة بني سليم، أرادوا الإغارة على المدينة فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فتفرقوا. وغزوة (أحد) وسنشرحها في الأصل. وغزوة (حمراء الأسد) وقد ذكرت بالأصل. 4. وفي السنة الرابعة غزا ثلاث غزوات وبعث ثلاث سريات: غزوة (بني النضير) وسنأتى على ذكرها في الأصل. وغزوة (ذات الرقاع): اسم لصخور فيها بقع حمر وبيض وسود في جبل بجهة نجد؛ بلغه عليه الصلاة والسلام أن قبائل من نجد يتهيئون لحربه، فخرج إليهم في سبعمائة مقاتل فلم يجدوا غير النسوة فأخذوهن وعادوا، أما رجالهم فإنهم تفرقوا في رؤوس الجبال. وغزوة (بدر الآخرة) وسيأتي الكلام عليها في آخر غزوة أحد. 5. وفي السنة الخامسة غزا أربع غزوات أشهرها غزوة الخندق: غزوة (دومة الجندل) وهي جهة بين المدينة المنورة ودمشق، على بعد خمس ليال من دمشق وخمس عشرة ليلة من المدينة، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا من الأعراب يعتدون على من يمر بهم وأنهم يريدون القرب من المدينة، فخرج إليهم في ألف من أصحابه، فلما علموا بقربه منهم تفرقوا وغنم المسلمون مواشيهم. وغزوة (بني المصطلق) وهم حي من خزاعة ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في غزوة أحد ثم تجمعوا لحرب المسلمين، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في جمع كثير فالتقى الجمعان بجهة (المريسيع) وهو ماء لقبيلة خزاعة؛ فانهزم المشركون بين قتيل وأسير، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت زعيمهم الحارث وأعتق سائر نسائهم، وفي أثناء رجوع المسلمين من هذه الغزوة حصلت حادثة الإفك المشهورة. وغزوة (الخندق) وغزوة (بني قريظة) وسيأتى الكلام عليهما في الأصل. وفي السنة السادسة غزا ثلاث غزوات وبعث إحدى عشرة سرية، ومن غزواتها غزوة الحديبية: غزوة (بني لحيان). وغزوة (الغابة). وغزوة (الحديبية). 5. وفي السنة السابعة غزا غزوة واحدة وهي غزوة خيبر وبعث ثلاث سرايا. 6. وفي السنة الثامنة غزا أربع غزوات، وبعث عشر سرايا، وأكبر غزواتها غزوة فتح مكة المكرمة وغزوة حنين: غزوة (مؤتة). وغزوة (الفتح). وغزوة (حنين). وغزوة (الطائف)، وسيأتي الكلام على جميعها في الأصل. 7. وفي السنة التاسعة غزا غزوة واحدة وهي غزوة تبوك، وبعث سرية واحدة. 8. وفي السنة العاشرة بعث سريتين، وفيها حج حجة الوداع. 9. وفي السنة الحادية عشر بعث سرية واحدة. فجملة الغزوات التي خرج للقتال فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم: سبع وعشرون غزوة، وجملة السرايا التي بعث فيها القواد ولم يخرج فيها بنفسه: خمس وثلاثون سرية. ولنتكلم على المهم من تلك الغزوات باختصار. غزوة بدر الكبرى كان من عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتشتري فتمر في ذهابها وإيابها بطريق المدينة، ففي شهر جمادى الثانية من السنة الثانية للهجرة بعثت قريش بأعظم تجارة لها إلى الشام في عير كبيرة (وهم يسمون الركب الخارج بالتجارة عيرا) خرج بها أبو سفيان بن حرب في بضعة وثلاثين رجلا من قريش، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في مائة وخمسين رجلا من المهاجرين فلم يدركهم، وتسمى هذه غزوة (العشيرة)، باسم واد من ناحية بدر. ولما علم برجوعهم من الشام خرج إليهم في العشر الأوائل من شهر رمضان في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، معهم فرسان وسبعون بعيرا، وسار حتى عسكر بالروحاء، وهو موضع على بعد أربعين ميلا في جنوب المدينة. وكان أبو سفيان حين قرب من الحجاز يسير محترسا، فلما علم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الطريق المسلوكة وسار بساحل البحر، ثم بعث رجلا إلى مكة ليخبر قريشا ويستنفرهم لحفظ أموالهم، فقام منهم تسعمائة وخمسون رجلا فيهم مائة فارس وسبعمائة بعير، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج هذا الجمع استشار أصحابه فأشاروا بالإقدام، فارتحل بهم حتى وصل قريبا من وادي بدر، فبلغه أن أبا سفيان قد نجا بالتجارة وأن قريشا وراء الوادي، لأن أبا جهل أشار عليهم بعد أن علموا بنجاة العير ألا يرجعوا حتى يصلوا بدراً فينحروا ويطعموا الطعام ويسقوا الخمور فتسمع بهم العرب فتهابهم أبدا. فسار جيش المشركين حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي (أي الشاطئ البعيد للوادي)، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى نزلوا بالعدوة الدنيا من الوادي، ولم يكن بها ماء فأرسل الله تعالى الغيث حتى سال الوادي فشرب المسلمون وملئوا أسقيتهم، وتلبدت لهم الأرض حتى سهل المسير فيها، أما الجهة التي كان بها المشركون فإن المطر أوحلها، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى نزل بأقرب ماء من القوم، وأمر ببناء حوض يملأ ماء لجيشه؛ كما أمر بأن يغوّر ما وراءه من الآبار حتى ينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين، ثم أذن لأصحابه أن يبنوا له عريشاً يأوى إليه، فبني له فوق تل مشرف على ميدان القتال. فلما تراءى الجيشان، وكان ذلك في صبيحة يوم الثلاثاء 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة قام النبي صلى الله عليه وسلم بتعديل صفوف جيشه حتى صاروا كأنهم بنيان مرصوص، ونظر لقريش فقال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني. ثم برز ثلاثة من صفوف المشركين، وهم عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة وطلبوا من يخرج إليهم، فبرز لهم ثلاثة من الأنصار، فقال المشركون: إنما نطلب أكفاءنا من بني عمنا (أى القرشيين)، فبرز لهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعليّ بن أبي طالب، فكان حمزة بإزاء شيبة وكان عبيدة بإزاء عتبة وكان عليّ بإزاء الوليد، فأما حمزة وعليّ فقد أجهز كل منهما على مبارزه، وأما عبيدة فقد ضرب صاحبه ضربة لم تمته وضربه صاحبه مثلها، فجاء علي وحمزة فأجهزا على مبارز عبيدة وحملا عبيدة وهو جريح إلى صفوف المسلمين، وقد مات من آثار جراحه رضى الله عنه. ثم بدأ الهجوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش يشجع الناس ويقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، وأخذ من الحصباء حفنة رمى بها في وجوه المشركين قائلا: شاهت الوجوه ( أي: قبحت)، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم. فحمى الوطيس (أي: اشتد القتال). وأمد الله تعالى المسلمين بملائكة النصر، فلم تك إلا ساعة حتى انهزم المشركون وولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتلوا منهم سبعين رجلا وأسروا سبعين، ومن بين القتلى كثيرون من صناديدهم. ولما انتهت الموقعة أمر عليه الصلاة والسلام بدفن الشهداء من المسلمين، كما أمر بإلقاء قتلى المشركين في قليب بدر، ولم يستشهد من المسلمين سوى أربعة عشر رجلا رضي الله عنهم. بعد أن انتهي القتال في بدر ودفن الشهداء والقتلى؛ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم فجمعت، وأرسل من يبشر أهل المدينة بالنصر، ثم عاد عليه الصلاة والسلام بالغنائم والأسرى إلى المدينة، فقسم الغنائم بين المجاهدين ومن في حكمهم من المخلَّفين لمصلحة، وحفظ لورثة الشهداء أسهمهم، وأما الأسرى فرأى بعد أن استشار أصحابه فيهم أن يستبقيهم ويقبل الفداء من قريش عمَّن تريد فداءه، فبعثت قريش بالمال لفداء أسراهم، فكان فداء الرجل من ألف درهم الى أربعة آلاف درهم بحسب منزلته فيهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم، فكان ذلك فداءه. وكان من الأسرى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعفه من الفداء مع أنه إنما خرج لهذه الحرب مُكْرَها، وقد أسلم العباس عقب غزوة بدر ولكنه لم يظهر إسلامه إلا قبيل فتح مكة. وكان منهم أيضاً أبو العاص بن الربيع زوج زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد افتدته رضى الله عنها بقلادتها فرُدَّت إليها، واشترط عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمكّنها من الهجرة إلى المدينة فوفي بشرطه، وقد أسلم قبل فتح مكة، فرد إليه النبي صلى الله عليه وسلم زوجته. ومنهم من منَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بغير فداء؛ كأبي عزة الجمحي الذي كان يثير بشعره قريشاً ضد المسلمين، فطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفكه من الأسر على ألا يعود لمثل ذلك، فأطلقه على هذا الشرط، ولكنه لم يف بعهده بعد، وقتل بعد غزوة أحد. ومن قتلى قريش: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة، والجراح والد أبي عبيدة، قتله ابنه أبو عبيدة بعد أن ابتعد عنه فلم يرجع. وأما شهداء بدر الأربعة عشر فمنهم ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فمن المهاجرين: عبيدة بن الحارث وعمير بن أبي وقاص، ومن الأنصار: عوف ومعوّذ ابنا عفراء الخزرجيان، وهما اللذان قتلا أبا جهل، ومنهم سعد بن خيثمة الأوسيّ أحد النقباء في بيعة العقبة. وهذه الغزوة الكبرى التي انتصر فيها المسلمون ذلك الانتصار الباهر، مع قلة عَددهم وعُددهم وكثرة عَدد العدوّ وعُدده، من الأدلة الكبرى على عناية الله تعالى بالمسلمين الصادقي العزيمة الممتلئة قلوبهم طمأنينة بالله تعالى وثقة بما وعدهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الفوز والنصر. ولقد دخل بسببها الرعب في قلوب كافة العرب، فكانت للمسلمين عزاً وهيبة وقوة، والحمد لله رب العالمين. غزوة أُحُد بعد أن مضى على غزوة بدر عام كامل؛ وكانت عير قريش لم تزل موقوفة بدار الندوة؛ اجتمع من بقى من عظمائهم إلى أبي سفيان، واتفقوا على أن يتركوا ربح أموالهم في تلك العير استعداداً لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ربحها نحو خمسين ألف دينار، فاجتمع منهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم حلفاؤهم من بني المصطلق وغيرهم، وخرجوا بالقيان والدفوف والخمور، ومعهم هند امرأة أبي سفيان وخمس عشرة امرأة ليشجعنهم ، وساروا حتى وصلوا إلى ذي الحليفة بالقرب من المدينة. وقد كان العباس بن عبد المطلب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب يخبره فيه بخروج القوم، فجمع عليه الصلاة والسلام أصحابه وأخبرهم الخبر، واستشارهم في البقاء بالمدينة حتى إذا قدم القوم إليها قاتلوهم، فكان رأى الأكثرين الخروج للقاء العدو، ففي يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من شوال في السنة الثالثة للهجرة صلى الجمعة بالناس، وحضّهم في خطبتها على الثبات والصبر، ثم دخل حجرته فلبس درعين وتقلد السيف وألقى الترس وراء ظهره، ولما خرج للناس بعُدَّته هذه قال بعض من أشار بالخروج: نتبع ما عرضته من البقاء، فقال: ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه. ثم عقد الألوية واستعرض الجيش وسار بألف رجل حتى منتصف الطريق بين المدينة وجبل أُحُد، وهو جبل في شمال المدينة، فرجع عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين في ثلاثمائة من أصحابه، ثم سار الجيش حتى نزل الشِّعب من أُحُد وجعل ظهره للجبل ووجهه للمدينة؛ وقد نزل المشركون ببطن الوادي بالقرب من أُحُد، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة؛ وكانوا خمسين رجلا؛ فجعلهم خلف الجيش على ظهر الجبل، وأمرهم ألاّ يبرحوا مكانهم، ثم عَدَّل الصفوف وخطب في الجيش بالنصائح والمواعظ، ثم خرج رجل من صفوف المشركين فبرز له الزبير بن العوام فقتله؛ وقتل علىُّ بن أبي طالب حاملَ لواء المشركين، واسمه حمزة أرطاة، وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق يطلب المبارزة فهمَّ أبو بكر أن يبرز إليه، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا له: متعنا بنفسك يا أبا بكر. ثم التقت الصفوف، وجعلت نساء قريش يضربن الدفوف وينشدن الأشعار تهييجاً لرجالهن، فدارت رحا الحرب، وكانت الغلبة للمسلمين، إلا أن الرماة لما رأوا انكشاف المشركين ترك أكثرهم مكانهم الذي أُمروا ألا يتحولوا عنه، وتحولوا إلى العسكر، وخلوا ظهر المسلمين للعدو، واشتغل بعض الجيش بالغنائم، فاختلت الصفوف، فتحولت فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد وجاءوهم من خلفهم، فأصابوا فيهم، وأُذيع قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضعف ذلك من عزائم الجيش، وانهزم جماعة من المسلمين، وانكشف مكان النبي صلى الله عليه وسلم للعدو فأصابته الحجارة، ووقع لشقه، فأصيبت رباعيته (السن التي بين الناب والثنية)، وجرح وجهه وشفته، ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته، والمغفر هو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقد عالج أبو عبيدة بن الجراح نزع هاتين الحلقتين من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزعهما، وكسرت في ذلك ثنيتاه رضى الله عنه. وأحاط به الكفار فدافع دونه خمسة من الأنصار، وعاد إليهم فئة من المسلمين حتى أجلوا الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن امتاز بالمدافعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت: سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو طلحة الأنصارى الذي نثر كنانته بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو دجانة الذي كان النبل يقع في ظهره وهو منحن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعد أن أجلى الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه كعب بن مالك الأنصارى، فشرع ينادى: يا معشر المسلمين أبشروا، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اسكت، ثم سار عليه الصلاة والسلام نحو الشِّعب بين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير وغيرهم، وجاءت فاطمة الزهراء رضى الله عنها فغسلت عنه الدم وضمدت جروحه، وأقبل أبي بن خلف من المشركين يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحربة فوقع عن فرسه، وأصيب في عنقه، ومات بسبب ذلك، ولم يقتل بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيره، لا في هذه الغزوة ولا في غيرها. ثم أراد عليه الصلاة والسلام أن يعلو صخرة في الشِّعب لينظر جماعة المشركين فلم يتمكن من القيام بنفسه، فأعانه طلحة بن عبيد الله حتى أصعده على الصخرة، فرأى جماعة المشركين على ظهر الجبل فقال: لا ينبغي لهم أن يعلونا. فأرسل إليهم عمر بن الخطاب في جماعة فأنزلوهم، وقد صعد أبو سفيان ربوة ونادى بأعلى صوته: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعْلُ هُبَل (اسم صنم لهم)، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يجيبه، فأجابه عمر رضي الله عنه بقوله: الله أعلى وأجلّ لاسواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فلما سمع أبو سفيان صوت عمر قال: هلمَّ إلي ياعمر، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، فقال أبو سيفان: أنشدك الله ياعمر أقتلنا محمدا؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. ثم نادى أبو سفيان: إن موعدكم بدر العام المقبل، فأجيب من قبل المسلمين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، هو بيننا وبينك موعد، وقد أخلف أبو سفيان موعده فلم يخرج في العام التالي، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد خرج في ذلك العام إلى بدر ولم يلق أحدا، وسميت تلك الغزوة غزوة بدر الأخرى أو الصغرى. ثم انصرفوا، وتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلى وأمر بدفنهم، وعاد إلى المدينة في منتصف شوال. وقد بلغ عدد قتلى المسلمين في هذه الغزوة سبعين شهيدا، منهم أربعة من المهاجرين والباقون من الأنصار، وقتل من المشركين اثنان وعشرون. وجعلت زوجة أبي سفيان ومن معها من النساء يمثلن بالشهداء، فجدعن الآذان والأنوف، واتخذن منها قلائد، وبقرت زوجة أبي سفيان بطن حمزة، ولاكت كبده تشفيا من نكايتهم في غزوة بدر. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة بليلة واحدة أن يخرج معه لتعقب العدو كلُّ من حضر هذه الغزوة، فلما شعر أبو سفيان بذلك همَّ أن يعود بالمشركين للقاء المسلمين، فقيل له: إن محمدا قد أقبل في جميع أصحابه، فخاف وانثنى عن عزمه، واستمر راجعا إلى مكة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في حمراء الأسد، وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة في طريق مكة، أقام هنالك ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة بعد أن تأكد من انصراف المشركين إلى مكة. غزوة الخندق كان بين المسلمين من الخزرج وبين يهود بني النضير المجاورين للمدينة عهد على التناصر، فخان اليهود عهدهم مع المسلمين، حيث هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عليه الصلاة والسلام إليهم في السنة الرابعة للهجرة حتى أجلاهم عن مواطنهم، فأورث الله تعالى المسلمين أرضهم وديارهم، ولم يقر لهؤلاء اليهود قرار بعد ذلك فذهب جمع منهم إلى مكة، وقابلوا رؤساء قريش واتفقوا معهم ومع قبيلة غطفان على حرب المسلمين، فتجهزت قريش ومن تبعهم من كنانة، وتجهزت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وتحزبوا جميعاً على محاربة المسلمين، حتى بلغ عدد جميعهم عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان. فلما سمع رسول الله صلى عليه وسلم بتجمعهم لذلك استشار أصحابه فيما يعمل لمقاومتهم، فأشار سلمان الفارسيّ رضي الله عنه بحفر خندق في شمال المدينة من الجهة التي تؤتى منها المدينة، فحفروه وجاءت قريش ومن معها من الأحزاب ونزلوا خلف الخندق، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين أمام الخندق، واستمروا على هذه الحالة يترامون بالنبل بضعاً وعشرين ليلة، وقد رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم حراسا على الخندق لئلا يقتحمه الأعداء ليلا، وكان يحرس بنفسه أصعب جهة فيه، ولما طالت المدة اقتحم جماعة من المشركين الخندق بخيلهم، فمنهم من وقع فيه فاندقَّ عنقه، ومنهم من برز له بعض شجعان المسلمين فقتله، وقد استمرت هذه المعركة يوما كاملا. غزوة بني قريظة ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن يهود بني قريظة القاطنين بجوار المدينة يريدون نقض ما بينهم وبينه من العهود، فاسترجع من جيشه خمسمائة رجل لحراسة النساء والذرارى، ولما علم المسلمون بأمر بني قريظة اشتد وجلهم لأن العدو قد أصبح محيطاً بهم من الخارج والداخل، ولكن الله سبحانه وتعالى قيَّض لرسوله صلى الله عليه وسلم من انبث بين الأعداء يفرق جموعهم بالخديعة والحيلة، حتى استحكم الفشل بينهم، وخاف بعضهم بعضاً، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا باردة في ليل مظلم أكْفَأت قدورهم وطرحت آنيتهم، فارتحلوا من ليلتهم، وأزاح الله تعالى هذه الغُمَّة التي تحزَّب فيها الأحزاب من قبائل العرب واليهود على المسلمين.
غزلان البراري Posted أكتوبر 24, 2004 Report Posted أكتوبر 24, 2004 شكراااا هذي عاد يصلح كل المراحل من اول ابتدائي لي ثالث اعدادي
Recommended Posts
Create an account or sign in to comment
You need to be a member in order to leave a comment
Create an account
Sign up for a new account in our community. It's easy!
Register a new accountSign in
Already have an account? Sign in here.
Sign In Now