البحرين والرده
المقدمة:
بعد صلح الحديبية أرسل النبي عدداً من الرسل إلى الملوك والحكام والأمراء في الجزيرة العربية ومن حولها, وأرسل منهم العلاء الحضرمي إلى (المنذر بن ساوى – ملك البحرين) فدخل الإسلام.
وهكذا انتشر الدين الحنيف في أرجاء البحرين, ثم عين النبي بعد ذلك (العلاء) والياً على البحرين, وحدث أن مرض النبي في أواخر أيامه وكذلك مرض (المنذر), وتوفيا بوقت متقارب, فعاد العلاء إلى المدينة المنورة تسبقه أخبار الرِّدة, وانقسمت بعده البحرين إلى رجال عاهدوا الله ورسوله على الثبات على الإيمان وإلى قبيلة أخرى انقلبت على أعقابها مرتدة عن جادة الحق والصواب, وكان رجال الإيمان في البحرين هم قبائل (عبد القيس), أما سبب انقلاب أعدائهم التقليديين (قبيلة بني بكر بن وائل) فهو عداء شخصي قديم بين القبيلتين, وهكذا أصبحت قبيلة (عبد القيس) في موقف خطير للغاية, وبخاصة بعد أن استنجدت (بكر) بـ (كسرى ملك الفرس), لإعانتهم على (عبد القيس) وتحت ذريعة أنهم يبغون حاكماً للعرب بدلاً عن الخليفة الصدِّيق.
العرض:
أمر الخليفة أبوبكر القائد العلاء الحضرمي بالمسير إلى البحرين بعد أن عقد له علماً وضم إليه ألفي رجل من المهاجرين والأنصار, وكان العلاء رجلاً تقياً ورعاً وشهماً غيوراً, روى أربعة أحاديث عن النبي محمد وكان أحد كتاب النبي, وإلى جانب ذلك كان شجاعاً مقداماً صاحب شخصية قوية نافذة شديد الثقة بنفسه وجيشه يحبهم ويحبونه, كما كان سريع القرار يعتمد في قتاله على مبدأ (المباغتة), فكان يباغت العدو من مكان لا يتوقعه, كما فعل بعبور صحراء الدهناء ليصل إلى البحرين بأسرع وقت مستطاع من اتجاه لا يتوقعه المرتدون بالرغم من مخاطر عبور هذه الصحراء, وبذلك سبق القائد خالد بن الوليد في قطعه الصحراء عندما سار من العراق إلى الشام, كما باغت العلاء أهل فارس بعد معارك البحرين في وقت لا يتوقعه الفرس عندمـــا عبر البحر إليهم .
وهكذا وصل العلاء إلى البحرين, حيث كان القتال مستعراً بين الفرس وبكر من جهة وبين عبد القيس من جهة أخرى, ولكثرة الأعداء فقد تراجعت عبد القيس إلى حصن (جواثا) وهي تقاوم تلك الأعداد الغفيرة من الأعداء, ولكن سماعهم خبر وصول العلاء رفع معنوياتهم وحثهم على مواصلة الجهاد, فأرسل المحاصرون خبراً إلى العلاء بأن يكون هجومه (ليلاً) على الأعداء, فأجابهم إذا سمعتم جلبة المعركة في الليل فاخرجوا من الحصن وقاتلوهم من جهتكم واعلموا أنني قد دخلت معسكرهم, ومع بداية الليل صار العلاء يقوي عزيمة جيشه وينهاهم عن الجزع والفشل, ثم أرسل رجلاً من أصحابه ليتجسس أخبار الأعداء, وعاد بعد فترة ليقول أبشر أيها الأمير فإن القوم سكارىوقد أخذهم النوم, فتقدم العلاء بجيشه رويداً رويدا, فلما شاهدهم وهم بهذه الحال انقض عليهم, ولم يشعر الفرس وبنو بكر إلا وخيول المسلمين قد أكبت عليهم وحوافرها تطأهم, فاستيقظوا فزعين, ولكن سيوف المسلمين لم تمهلهم ليسترجعوا وعيهم, وبالوقت نفسه خرجت (عبد القيس) من الحصن وانقضت على الأعداء فوقع المنقلبون تحت سيوف المسلمين من كل جانب, وعلى الرغم من اشتداد القتال بين المسلمين وأعدائهم, إلا أن الأعداء هزموا بنصر من الله, وبين ذاهل ومندهش, وبين جريح وهارب, فقد لاذ ما تبقى من الأعداء بموضع يقال له (الردم), واجتمعت (عبد القيس) من جميع نواحي البحرين فصار عددهم أكثر من ستة آلاف بقيادة العلاء, فخطب فيهم قائلاً : يا معشر عبد القيس اعلموا أنكم في جهاد كجهاد من جاهد بين يدي رسول الله وليس بين هؤلاء وأولئك فرق.
ثم سار العلاء مع جيوشه لتطهير جزيرة (دارين) من الأعداء, وليس لها سوى طريق واحد وكان بينهم وبينها خليج, فاقتحمه المسلمون بقيادة العلاء على خيولهم وإبلهم وحميرهم وغير ذلك وفيهم الراجل, ودعا العلاء والمسلمون, وكان من دعائهم : (يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى يا قيوم لا إله إلا أنت . .) فاجتازوا الخليج بإذن الله, قال أبو هريرة وكان معهم : (مشينا على الماء !), وبعد ذلك انقضوا على من في الجزيرة من الأعداء ومزَّقوهم تمزيقاً .
بعد ذلك سار العلاء بجيشه إلى (الردم) واشتبك مع من فيه من الأعداء, فانهزموا بين يدي المسلمين, وهكذا انهزمت (بنو بكر) فلحقوا بالبراري والفلوات هائمين من سيوف المسلمين, وهرب المنذر بن النعمان إلى (جفنة) واستجار بأهلها(28), وانهزمت الفرس فسار بعضهم إلى مواضع مثل (الزارة والقطيف والخط) وهي قرى بالبحرين, ثم كتب العلاء إلى أبي بكر الصديق يخبره بما فتح الله عليه ونصر المسلمين في البحرين .
الخاتمة:
ثمة معارك في تاريخ البشر تأخذ شهرة أوسع من أهميتها ودورها الخطير في الحضارة الإنسانية, ومعارك أخرى تتجلى فيها كثير من الدلالات والمعاني السامية ولا تنال حظها من الشهرة والانتشار لأسباب, والأمثلة كثيرة ولعل أهمها هي معركة (جواثا) في البحرين, معركة نادرة في التأريخ ولكنها غائصة في عباب المجهول, لا يتعرض لها المؤرخون إلا لمحاً أو صدفة أو إيجازاً أو اختصاراً, ولكنها في حقيقة الأمر معركة من طراز خاص لا تقل أهمية عن كثير من معارك المسلمين الأخرى, فمن خلال الظروف الموضوعية لها نجدها معركة ذات مميزات وخصائص فذة, من ذلك أنها معركة صفحات, الصفحة الأولى اشتباك (بني بكر) و (عبد القيس), الثانية هجوم جيش الفرس وبكر على (عبد القيس), الثالثة القتال التراجعي للمسلمين ثم مرحلة الحصار, الرابعة هجوم المسلمين من خارج الحصن (جيش العلاء) وداخله (عبد القيس) على جموع بكر والفرس, ثم بعد ذلك بدأت المطاردة وأعقبتها صفحات أخرى حيث تم تطهير مواضع (دارين) و(الردم), وأخيراً تطهير أرض البحرين كاملة من أرجاس المرتدين وأعوانهم من الفرس .
ولنا أن نذكر دائماً أن مسلمي البحرين كانوا في تلك الظروف الحرجة بين فكي كماشة من نار, ففي الوقت الذي هوجم فيه الصديق t وهو يصلي في المسجد, وكانت المدينة المنورة عرضة لغارات وهجمات المرتدين المستمرة, فإن عبد القيس في البحرين قد ضربت بصمودها مثلاً سامياً تفخر به الأمة الإسلامية .
فالإنصاف والحق أن يلتفت المؤرخون والباحثون والدارسون إلى هذه المعركة الخالدة والتعمق بمفاصلها وحيثياتها, وأتمنى لو قامت جهة ما في البحرين وما أجدر مركز الوثائق التاريخية في البحرين بذلك .

تحياتي لكم: القلب الصبور