بعد الفشل في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وتوقع تعثر برنامج الإصلاح الإداري الذي تعمل الحكومة السورية جادة على إنجاحه، بدأ الحديث في الآونة الأخيرة على صفحات المجلات والصحف المحلية وفي المنتديات الاقتصادية عن ضرورات تطبيق سياسات الخصخصة على الرغم من الرفض الحكومي المعلن والقاطع لهذا التوجه.
هذا الجدال الذي عرفته الساحة السورية مؤخراً، أفرز انقسامات لا نقول إنها حادة أو مفصلية حول هذا الموضوع، فهناك المعارض وهناك المؤيد وهناك فريق ثالث وهو الفريق المعتدل الذي يدعو إلى خصخصة قطاعات بعينها دون أخرى، وخاصة تلك التي يمكن للقطاع الخاص النهوض بأعبائها ولا تُحمّل الدولة عبء تمويلها وتَحمل نتائج إخفاقاتها المتواصلة.
وفي هذه المقالة لن نخوض في أدبيات الخصخصة في الفكر الاقتصادي المعاصر، فقد أشبعت بحثاً في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وطبقت أساليب مختلفة للخصخصة في عدد كبير من الدول منها دول عربية فشل بعضها في تحقيق معدلات نمو مقبولة وبعضها الآخر لا نقول إنه نجح بالمطلق إلا أنه حقق نتائج مرضية على الصعيد الاقتصادي بفضل المعونات الفنية والمساعدات المالية متزامنة مع تطبيق برامج إصلاحية وتصحيحية قاسية إلى حد ما، وإنما سنعرض لبعض الأفكار المعتدلة في هذا الشأن الذي أضحى هاجساً ومنبراً للصراع والمطارحات الفكرية، بين معارضي الخصخصة ( الحكومة ومؤسسات القطاع العام واتحادات العمال)، والمؤيدين ( رجال الأعمال وبعض رجالات الفكر الاقتصادي ) والمعتدلين ( الذي يرون أن خصخصة قطاعات أو مؤسسات دون أخرى سيساهم في خفض العجز في الموازنة ويحد من لجوء الدولة للاقتراض من الخارج، وفي جلب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وبالتالي تحسين نوعية الحياة).
محور الخلاف والجدال بين الأطراف المختلفة يمكن حصره في القضايا التالية:
- دور الدولة في الاقتصاد الحديث.
- دواعي الخصخصة في سورية.
- ما ذا يمكن أن نخصص؟.
أسئلة ذات طابع خلافي، في رأينا تمثل تحولاً فكرياً ومنهجياً ليس وليد الحالة الراهنة للاقتصاد السوري، فقد عرفته الساحة السورية في مطلع التسعينات ثم انحسر الحديث عنه، واليوم يثار من جديد نتيجة المتغيرات في البيئة الاقتصادية الدولية والمحلية.


دور الدولة في الاقتصاد الحديث
يعرف البنك الدولي التنمية الاقتصادية بأنها "زيادة قابلة للاستمرار في مستويات المعيشة، تشمل الاستهلاك المادي والتعليم والصحة وحماية البيئة"، وتشمل أيضاً "المساواة الأكبر في الفرص والحريات السياسية والمدنية". أي أن الهدف الأوسع للتنمية هو زيادة الحقوق الاقتصادية والسياسية والمدنية للجميع، وهو هدف لم يطرأ عليه أي تغيير جوهري منذ أوائل خمسينات القرن الماضي .
فإذا كان هدف التنمية لم يطرأ عليه تغيير جوهري منذ خمسة عقود، فقد حدث تحول عميق في الفكر والممارسة المتعلقة بالعناصر الأساسية لإستراتيجية التنمية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، خاصة فيما يتعلق بدور الدولة بصفة عامة، ودور كل من القطاعين العام والخاص بصفة خاصة.
وفيما يلي نبين التطور الذي طرأ على الدور الاقتصادي للدولة خلال الخمسين عاماً الماضية في الدول النامية ومن ضمنها الدول العربية، من إنمائي إلى تصحيحي، وبروز أهمية التخصيص في سياق التحول من الإنمائي إلى التصحيحي:
جاء توسع القطاع العام في النشاط الاقتصادي في العديد من البلدان النامية ومنها العربية، نتيجةً لتحوّل دور الدولة من دور تنظيمي محصور في الحد الأدنى من الوظائف الأساسية إلى دور إنمائي يمتد إلى جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإلى استخدام الميزانية العامة كأداة تدخل. وكان السند النظري لذلك التحوّل يرتكز على الفكر الاقتصادي السائد، حيث رأى اقتصاديو التنمية أن القطاع العام يُشكل عنصراً حاسماً للتنمية، لذلك فقد نادوا بتدخل الحكومات لترعى التنمية تحقيقاً للمصلحة العامة ( Public Interest )، على أساس أن التفاعل غير المقيد بين المتعاملين الخواص لا يحقق أهداف الكفاءة والنمو والاستقرار على نطاق الاقتصاد كله، والتخفيف من حدة الفاقة.
وفي ظل الدور الإنمائي للدولة برز التخطيط كوسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبينما كان التخطيط في البلدان الصناعية تأشيرياً يستند إلى السياسات المالية والنقدية لتنشيط الاقتصاد والمحافظة على استقراره، أصبح التخطيط الشامل في غالبية الدول النامية هو القاعدة، حيث قامت وزارات التخطيط بصياغة خطط متوسطة الأجل للقطاعين العام والخاص. وفي ظل الدور الإنمائي للدولة، حققت البلدان النامية، إنجازات إنمائية كبيرة، قياساً بعدد من المؤشرات منها: الصحة والتعليم والتغذية والعمر المتوقع عند الولادة.


تحوّل دور الدولة من إنمائي إلى تصحيحي
بالرغم من كل تلك الإنجازات، إلا أن مساهمة القطاع العام في عملية التنمية كانت دون المستوى المتوقع، الأمر الذي دفع العديد من الدول المتقدمة والنامية إلى إعادة النظر في دور الدولة في الحياة الاقتصادية. وقد أخذت قضية التخصيص دفعة قوية وزاد الاهتمام بها في أعقاب تدهور الأوضاع الاقتصادية الدولية في الثمانينات، حين عانت الدول النامية من أزمة المديونية الخارجية، والانخفاض الشديد في أسعار السلع التصديرية الرئيسية، وبالتالي تدهور معدلات التبادل التجاري، وارتفاع أسعار الفائدة، واضطراب أسواق الصرف، وخلل موازين المدفوعات الخارجية، وتباطؤ معدلات النمو، وارتفاع معدلات الفقر.
وقد اتخذت إعادة النظر في دور الدولة في الحياة الاقتصادية أهمية خاصة، في إطار البحث عن مصادر النمو الاقتصادي، والسياسات الاقتصادية المعززة له في المدى الطويل، في ظل اضطرار العديد من البلدان النامية إلى اللجوء للمؤسسات الدولية والإقليمية، لمساعدتها في إعداد وتنفيذ برامج استقرار وتصحيح اقتصاديين. وفي إطار معالجة تردي الأوضاع الاقتصادية من خلال تنفيذ تلك البرامج، بدأ دور الدولة الإنمائي يتراجع أمام تقدم عملية التصحيح. وفي نهاية الثمانينات وبداية التسعينات أخذ الدور التصحيحي للدولة دفعة قوية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، والتخلي عن مركزية القرار والتخطيط فيه.
ولا يعني انتقال الدولة من إنمائي إلى تصحيحي التخلي عن مواجهة تحديات التنمية، بل يؤكد على دور مختلف للدولة في تحقيق التنمية، التي تتمثل في تحسين نوعية الحياة، الأمر الذي ينطوي على نوع أفضل من التعليم، مستويات أعلى من الصحة والتغذية، وفقر أقل، وبيئة أوفر نظافة، ومساواة أكبر في الفرص المتاحة، وحريات فردية أكبر، وحياة ثقافية أكثر ثراءً.
وإذا نظرنا إلى مضمون دور الدولة التصحيحي لمواجهة تحديات التنمية المشار إليها، نجد أنه يشتمل على ثلاثة عناصر. الأول هو التحرير الاقتصادي الذي يقوم على إزالة القيود والمعوقات أمام التجارة الخارجية، ودعم المنافسة في ظل تشجيع القطاع الخاص. والثاني هو إصلاح القطاع العام، عن طريق تحسين إدارة المصروفات العامة، وإصلاح الخدمة المدنية، وتحسين أداء المؤسسات العامة. والثالث سياسة اقتصادية كلية تقوم على تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي .


التخصيص في إطار التصحيح وإعادة الهيكلة
في سياق الدور التصحيحي للدولة، يأتي إصلاح القطاع العام، ومن ضمنه تحسين أداء المؤسسات العامة، الذي يتطلب تحديد مجالات عمل الحكومة، وترك المجالات الأخرى للقطاع الخاص في ظل آليات السوق، وفقاً للمعايير التالية:
1 – تقليص عمل الحكومة في الميادين التي تعمل فيها السوق أو التي يمكن جعلها تعمل بصورة جيدة.
2– زيادة دور الحكومة في المجالات التي لا يمكن الاعتماد فيها على الأسواق وحدها، مثل:، مثل الاستثمار في التعليم والصحة والتغذية وتنظيم الأسرة والتخفيف من وطأة الفقر، والاستثمار في نوعية أفضل من البيئة الأساسية الاجتماعية والمادية والإدارية والتنظيمية والقانونية، وتعبئة الموارد لتمويل الإنفاق الحكومي، وتهيئة أساس مستقر على صعيد الاقتصاد الكلي . وهكذا تبرز قضية التخصيص في إطار دور الدولة التصحيحي . فإذا نظرنا إلى البلدان الأوروبية، التي تمكنت حكوماتها من تخطيط برامجها التخصصية كجزء من توجهاتها السياسية، نجد أنها كانت تهدف من وراء ذلك إلى تحسين الكفاءة وتعزيز التنافسية وتوسيع ملكية الأسهم، وتحقيق مساءلة أكبر في إدارة المؤسسات العامة.


خصائص الاقتصاد السوري
من الخصائص الرئيسية للوضع الاقتصادي في سورية سيطرة القطاع العام على نسبة كبيرة من الأنشطة الاقتصادية. وقد جاءت سيطرة القطاع العام عن طريق إجراءات مختلفة بما في ذلك تأميم المشروعات الخاصة وإنشاء مشروعات عامة جديدة، ترتب على ذلك أن أصبحت النسبة العظمى من الصناعات في يد القطاع العام وكذلك الحال بالنسبة للبنوك والتجارة الخارجية والمقاولات والمرافق العامة والنقل والتعدين وعدد كبير من المشروعات في قطاع الخدمات.
وتراجع القطاع الخاص السوري إلى دور ثانوي كما حل التخطيط المركزي محل نظام السوق كقوة فاعلة في تخصيص الموارد . ولا يستثنى في ذلك سوى قطاع الزراعة حيث بقيت الأرض – لاعتبارات عملية – مملوكة ملكية خاصة ومع ذلك فإن القطاع العام ما زال ذا تأثير كبير حتى في هذا المجال، فأسعار الحاصلات الزراعية الرئيسية ( القمح – القطن) تحددها الدولة كما أن المؤسسات العامة تتمتع باحتكار في توريد الأسمدة والمبيدات والائتمان الزراعي ( القروض).
ويرجع السبب في النمو الكبير للقطاع العام في سورية إلى جملة من الاعتبارات الإيديولوجية والعملية، ومنها أيضاً الرغبة في السيطرة على بعض الموارد الطبيعية كالبترول والغاز، وعدم وجود قطاع خاص قادر على القيام بالمشروعات الكبيرة. وهناك أسباب أخرى مثل السيطرة على ما يسمى بالمرتفعات الإستراتيجية في النظام الاقتصادي أو تعبئة المدخرات ولاعتبارات العدالة الاجتماعية.
وقد شهدت سورية في الأعوام القليلة الماضية تغيراً في السياسة الاقتصادية، من قبيل الانتقال من الاقتصاد المخطط إلى الاقتصاد التأشيري وإعطاء القطاع الخاص مساحة أكبر للمشاركة في عملية التنمية الاقتصادية مما كان متاح له في العقود الثلاثة الماضية، إلا أن هذه التطورات التي طرأت على البيئة الاقتصادية المحلية لم تكن كافية، الأمر الذي دفع بالقطاع الخاص للمطالبة بضرورة تقليص عمل الحكومة في الميادين التي تعمل فيها السوق أو التي يمكن جعلها تعمل بصورة أفضل.


دواعي الخصخصة في سورية
تتعرض سورية كغيرها من الدول النامية لضغوط خارجية وداخلية لتبني الخصخصة في سياق السياسات التصحيحية التي تنتهجها لإصلاح الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وفي العادة تأتي الضغوط الخارجية من جهات عدة، نذكر منها:
- وكالات المساعدات الحكومية في الدول المتقدمة ( مجموعة DAC )، بقيادة وكالة المعونة الأمريكية USAID التي حددت شروط المعونة / المساعدة باتباع مبادئ السوق والابتعاد عن التدخل الحكومي في الاقتصاد وقد وردت هذه الشروط في سياق برقية صادرة عن وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز عام 1985.
- صندوق النقد والبنك الدوليين، حيث تمارس المؤسستان الضغوط وتفرض شروطهما ضمن البرامج التصحيحية التي يدعمانها من خلال القروض التي يقدمانها مباشرة أو التي توفرها إعادة جدولة الديون الخارجية.
- منظمة التجارة العالمية من خلال مفاوضات الانضمام للمنظمة.
- اتفاقيات التبادل التجاري بين التكتلات الاقتصادية أو بين تكتل اقتصادي ودول في إقليم كاتفاقيات الشراكة الأوروبية المتوسطية ومنطقة التجارة الحرة الأمريكية – الشرق أوسطية .
الضغوط الداخلية:تعزى إلى ثلاثة مصادر هي:
الوضع المالي: العجز في الميزانية العامة للدولة.
انتشار القناعة داخل الفكر الاقتصادي في ثمانينات القرن الماضي بفشل المؤسسات العامة وأهمية قوى السوق.
رجال الأعمال: الذين شعروا بأن الفرصة مواتية لزيادة مجالات نشاطهم وبالتالي أرباحهم ونفوذهم.
وسورية واحدة من تلك الدول التي تعرضت فيما مضى وتتعرض الآن لضغوط خارجية وداخلية دافعة باتجاه تبني التخصيص ضمن برنامج إصلاح اقتصادي تصحيحي شامل بدأ الحديث عنه بزخم في عام 2002. ولعل أهم دافع للحكومة السورية لتبني سياسة الخصخصة ضمن برنامج إصلاح اقتصادي شامل في المستقبل القريب هو ترهل القطاع العام من ناحية وضعف مستوى أدائه. ونعني بترهل القطاع العام قيامه بنشاطات خارج نطاق مهامه، كان من الأجدر تركها للقطاع الخاص، أو نشاطات اقتضت الظروف الاستثنائية ( تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ) إسنادها للقطاع العام وبانتفائها استوجب إعادتها للقطاع الخاص، أي الدعوة إلى إعادة توزيع أدوار كل من الدولة والقطاع الخاص.
ويرى المؤيدون للخصخصة أن الأداء السيئ لمؤسسات القطاع العام قد ساهم في خلق وتضخم العجز في الموازنة العامة في سورية في العقود الثلاثة الماضية – لا يزال العجز قائماً باستبعاد عائدات النفط – وبالتالي في التضخم الناتج جراء الاستدانة الداخلية - من الجهاز المصرفي - وفي الوقوع في مصيدة المديونية الخارجية في الثمانينات والتسعينات، وارتفاع معدلات البطالة السافرة والمقنعة، إضافةً إلى التشوهات المالية والاقتصادية الأخرى. وعليه فإن الخصخصة تخفف من هذه الآثار السلبية، إضافةً إلى تحقيق موارد إضافية بدلاً من لجوء الدولة إلى الاستدانة الداخلية والخارجية أو زيادة الضرائب وبذل الجهود المضنية في ابتكار أنواع جديدة من الضرائب تثقل كاهل المواطنين. والخصخصة أداة أيسر من الناحيتين الفنية والسياسية لخفض مستوى النفقات العامة بعد أن أظهرت الأدوات الأخرى عجزها عن إيجاد حلول ناجعة، كما أن الخصخصة تحد من تنامي ظاهرة الفساد.
ومما لا شك أن مستوى الأداء المنخفض للقطاع العام كان من الأسباب الرئيسية للاهتمام بالتخصصية في الدول التي تبنت الخصخصة في سياق السياسات التصحيحية التي تساعد على إزالة الاختلالات واستعادة معدلات مقبولة من النمو الاقتصادي، وهو الدافع الأول للاهتمام بالتخصصية في سورية من قبل المطالبين بالخصخصة في سورية، فتدني مستوى الأداء وضعف كفاءتي الإنتاج وتوزيع الموارد في القطاع العام السوري - من وجهة نظرنا – سيرغم الحكومة السورية على القيام بخصخصة العديد من منشآت القطاع العام، كما أرغم أكثر الدول تشدداً – الاشتراكية سابقاً كان آخرها ليبيا - نتيجة التدهور الكبير الذي طرأ على البيئة الاقتصادية الدولية، والاستمرار بتجاهل هذا الدور المتغير للدولة في الاقتصاد الحديث سيقود القطاع العام إلى مزيد من التدهور ولن ينقذه خطط الحكومة بالإنفاق على تحديثه بل سيزيد الطين بله.
إن سورية تواجه عدداً من المشكلات الاقتصادية داخلية تمثلت في تراجع معدلات النمو الاقتصادية وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع مستويات الأداء الاقتصادي والإداري والخدمي، وركود في السوق الداخلية نتيجة لانخفاض الجودة في السلع المنتجة ولضعف الدخول وبالتالي الطلب، وضعف القدرة التنافسية للسلع والمنتجات السورية في الخارج، واتساع دائرة الفقر والبطالة، وتنامي ظاهرة الفساد الإداري، انحسار المعونات المالية الخارجية وخاصة منها العربية، وخارجية تمثلت في تدهور أسعار السلع التصديرية الرئيسية السورية، وتقلبات أسعار النفط في السوق الدولية، والنـزعة الحمائية في الدول المتقدمة، والآثار السلبية المتوقعة للشراكة الأوروبية المتوسطية وخاصة بعد التوسع الحاصل في عضوية الاتحاد، وكذلك الآثار السلبية المتوقعة لتطبيق أحكام ومتضمنات اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي ستدخل حيز التنفيذ مطلع عام 2005، مع ما سيترتب على ذلك من اختلالات داخلية وخارجية بالإضافة إلى تباطؤ ملموس في معدلات النمو ماذا نخصص..... ؟
بدايةً لا بد من الاعتراف بأن هناك خوف حقيقي ومبرر من الخصخصة لدى غالبية الشعب السوري، مبعثه السمعة السيئة للخصخصة على الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل وهؤلاء يشكلون ما يزيد على الثمانين في المائة من مجمل الشعب السوري، إلا أن الخصخصة في سورية برأينا يجب ألا تطال مؤسسات القطاع العام برمته إذ أنه من المهم أن نفرق بين أجزاء مختلفة من القطاع العام، فهناك المنشآت العامة وهي ذات شخصية قانونية وميزانية مستقلة وتحصل على النسبة العظمى من إيراداتها عن طريق بيع السلع والخدمات، بعبارة أخرى إن المنشآت العامة تمثل قطاع الأعمال المملوكة للدولة، حيث تعمل الدولة بصفتها منتجة أو تاجرة، وهذا هو القطاع المقصود عند الحديث عن الخصخصة، وهذا يختلف تماماً عن جزء آخر من القطاع العام حيث تقوم الدولة بالخدمات الأساسية في مجال التعليم والصحة أو الإدارة الماكرواقتصادية وما شابه ذلك . هذه الأعمال لا تدخل ضمن قطاع الأعمال ولا شأن لسياسة الخصخصة بها في معظم البلدان النامية.
وينبغي على الدولة لتخفيف الأعباء وتوزيع الأدوار بين القطاعين خصخصة منشآت لا نرى جدوى، أوليس لدى الحكومة أسباب واضحة ومنطقية لإبقائها في حوزة القطاع العام، خاصة تلك التي يمكن للقطاع الخاص النهوض بأعبائها دون أن تُحمل الدول أعباء وتكاليف القيام بمستلزماتها ومتطلباتها، من هذه المؤسسات تجارة التجزئة والمخابز والمطاحن والمطابع وبيع الكتب ووكالات الإعلان وتوزيع المطبوعات والسفر والفنادق والمقاولات وتربية المواشي والدواجن ومصائد وتربية الأسماك وتصنيع الألبسة والأحذية والأقمشة والسجاد والمياه الغازية والمعدنية ودور السينما والملاهي الليلية ومصانع البسكويت والحلوى والحليب والبيرة و الزيوت والسمون ومصانع الكونسروة والشعيرية والمعكرونة والزجاج والبردات والمفروشات، وغير ذلك الكثير من الأنشطة التي لا يمكن أن توصف بأي حال من الأحوال بأنها مرتفعات إستراتيجية في النظام الاقتصادي، ولم يعد هناك أي سبب اقتصادي أو مالي أو سياسي لأن تقحم الدولة نفسها في إنتاج المئات من السلع والخدمات ينبغي تركها للقطاع الخاص وعدم مزاحمته ومنافسته في أعمال يمكن أن ينهض وينافس بها في الداخل والخارج.
وفي المقابل يجب الحفاظ على قطاع البترول والغاز والتعدين ( الاحتكارات الطبيعية ) والمرافق الأساسية كالمياه والكهرباء والموانئ والهاتف والسكك الحديدية وطرق المواصلات، والخدمات كالتعليم والصحة والأمن، والصناعات التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة وتكنولوجيا لا يستطيع القطاع الخاص توفيرها كمصانع الغزل والنسيج والصناعات الكيميائية والهندسية، وغيرها من المنشآت والمؤسسات التي يمكن اعتبارها إستراتيجية وحيوية بالنسبة للدولة والغالبية من الشعب.


الخصخصة ليست العلاج الشافي لكل الاختلالات
الخصخصة ليست العلاج الشافي لكل ما يعانيه الاقتصاد السوري من اختلالات هيكلية حادة ومزمنة، إلا أنها برأينا تساعد إلى حد كبير على تحقيق نتائج أفضل على المدى المتوسط والبعيد، والقول بأن الخصخصة لا يمكن أن تنجح في سورية هو قول صحيح إلى حد كبير في حال تم نقل المسؤوليات من القطاع العام إلى القطاع الخاص بشكل سريع وغير مدروس، فسورية تتصف بأنها دولة رعاية اجتماعية وذات اقتصاد مركزي مخطط، والغالبية من الشعب السوري معتمد على الدولة اعتماداً مفرطاً في توفير مختلف أنواع الرعاية الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما أوجد عادات اجتماعية واقتصادية ساهمت في غياب القدرة على المبادرة، الأمر الذي يتطلب تحول سورية ببطء نحو استراتيجيات اقتصادية تقوم على نظام السوق وتعتمد على القطاع الخاص باعتباره محركاً للنمو، ومعالجة الآثار السلبية لعملية التحول المصاحبة للتكيف وإعادة الهيكلة أثناء الفترة الانتقالية التي تتسم عادة بسرعة التغير وشدة الاختلال الاجتماعي، إذ يدفع فيها الاقتصاد والمجتمع ثمن السياسات غير السليمة المتبعة في الماضي.