هاااي اختي
انا عندي مب بس حق اخر العنقود حق الكتاب كله تفضلي ما طلبتي شي . . .
أبرز مؤشرات القرن
المقال
تعريف:
عرف المجمع اللغوي في المعجم الوسيط بأنه: بحث قصير في العلم أو الأدب أو السياسة أو الاجتماع ينشر في صحيفة أو مجلة، وعرفه الأدباء بأنه قالب من النثر الفني يعرض فيه موضوع ما عرضا مسلسلا مترابطا يبرز فكره الكاتب، وينقلها إلى القارئ والسامع نقلا ممتعا مؤثر
ولم يكن المقال بالشكل الذي نراه في العصر الحديث معروفاً عند العرب، وإنما كان لديهم ما هو قريب من فن المقال، وذلك هو فن الرسائل الذي ظهر على أيدي "عبد الحميد الكاتب"، و "ابن المقفع" و "الجاحظ" و "ابن قتيبة"، و أمثالهم، ففي هذا الفن تناولوا جوانب من المجتمع على عهدهم، وخصوا كل جانب منها برسالة تعالجه في بساطة واسعة، وقد تكون الرسالة عدة صفحات، وقد تطول، فتقرب أن تكون كتاباً صغيراً). ارتبطت نشأة المقال في العصر الحديث بالصحافة، فظهر في ظلها، ورافقها على طريق التطور، وتأثر في ذلك بالمقال الصحفي الغربي، كما تأثر في عرضه بالاتجاه العربي
نشأته وتطوره:
عرفنا شيئا كالمقال الأدبي في العصر العباسي الأول : ممثلا في مقدمات الكتب وفى الرسائل الأدبية كرسائل الجاحظ ومنها (رسالة التربيع والتدوير) التي كتبها بأسلوب ساخر يتحدث فيها عن أحمد بن عبد الو هاب، فقد كان الجاحظ صديقا للوزير الأديب محمد بن عبد الملك الزيات يحضر مجلسه ويشترك في ندواته الأدبية والعلمية وكان أحمد بن عبد الوهاب ممن يحضرون هذه المجالس فحدث خلاف بينه وبين الجاحظ. فكتب هذا المقال (وكانوا يسمون المقال رسالة) يصفه ويسخر منه مستغلا ما فيه من قبح الهيئة والشكل فهو قصير عريض ويتظاهر بأنه طويل رشيق وسماها (التربيع و التدوير) لأن أحمد بن عبد الوهاب مربع طوله مثل عرضه. ومدور لاتساع بطنه. ومنها ((كان احمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول، وكان مربعا، وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا، وكان جعد الأطراف، قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي البساطة والرشاقة. . وكان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلفه للإبانة عنها بقدر غباوته فيها)). وفي العصر العباسي الثاني: وبظهور ابن العميد والقاضي الفاضل تأثرت الرسالة بطريقتهما في الكتابة من التزام السجع والإكثار من المحسنات البديعية المتكلفة. كقول القاضي الفاضل في تهنئة المسلمين باستعادة بيت المقدس: ((نصرنا الله بملائكته المسومين وأوليائه المؤمنين، وهذه موهبة مذهبة، ومنقبة لا تبلغ إلى وصفها بلاغة موجزة ولا مسهبة ونوبة ما بعدها للإسلام نبوة وحظوة في مذاق أهل التقوى و المغفرة حلوة. .)).
واستمرت المقالات تكتب تحت اسم الرسائل بهذه الطريقة، حتى بداية العصر الحديث وظهور الصحافة: فشاع اسمها الجديد (المقالة) وكانت المقالات في بداية العصر الحديث تكتب بلغة هابطة، على غرار ما كان سائدا في العصر العثماني ومن سماتها: ضعف الفكرة، والتطويل بدون فائدة، والسجع المتكلف على حساب المعنى، مثال ذلك ما كتبه عبد الله أبو السعود في جريدة وادي النيل: (إن من طالع سعدنا أن وصل إلينا بمصر القاهرة، في هذه الأيام الحاضرة، من نتاج أفكار أرباب القرائح العصريين، وثمرات أوراق أصحاب الفضل و الأدب السوريين، المتوقدة أذهانهم الآن بمدينة (بيروت)، و لا يليق بتاريخ العربية في هذا العصر أن يلزم في حقهم السكوت - عدة نسخ متوالية، وجملة أعداد متتالية..).
لكن الكتاب شعروا مع حركة العصر و متطلبات الصحافة و مستوى الجمهور بعبء اللغة التي يكتبون بها عليهم و على قرائهم. فحين بدأت النهضة تؤتي ثمارها: تحرر كتاب المقال من قيود الصنعة اللفظية وتناولوا الموضوعات الاجتماعية والسياسية، و استطاعوا أن يثيروا النزعات التحررية، و اهتموا بالنواحي الدينية و الأدبية، كإحياء التراث والاتصال بالغرب عن طريق الترجمة والبعثات، واستقدام الأساتذة وانتشار المطابع، وظهور الصحف والتعليم وظهرت طائفة من النقاد هاجموا الطريقة العثمانية وحرروا كتاباتهم من التكلف أمثال لطفي السيد وطه حسين والعقاد وعبد الله النديم، والإمام محمد عبده والشيخ علي يوسف، ومصطفى كامل و غيرهم
وفي منطقة الخليج والجزيرة العربية، شهد العقد الثالث من هذا القرن تطورا ملموسا في كتابة المقال السياسي و الأدبي والاجتماعي، ومن أبرز كتاب المقال بالبحرين والكويت في هذا الميدان: عبد الله الزايد، و محمود المردي، و عبد الله زكريا الأنصاري، و عبد الرزاق البصير، و محمد جابر الأنصاري
ويستمر تطور المقال، ويزداد تركيزا ودقة وقدرة على التحليل وبراعة في العرض، مع طواعية اللغة ولينها، وسلاسة الصياغة، والتخلص تخلصا تاما أو شبه تام من أثقال الصنعة، كما ارتاد المقال كل المجالات، واكتملت أنواعه وتميزت
المقال والصحافة:
يرى بعض النقاد إن المقال في اللغة العربية ارتبطت نشأته في العصر الحديث بالصحافة، إذ رافقها على طريق التطور متأثرا بالمقال الغربي (وقد عرضنا عليك فيما سبق أنه كان موجودا في الأدب العربي باسم (الرسالة) منذ العصر العباسي) ولكن الدكتور محمد مندور (في كتابه الأدب وفنونه) يرى غير ذلك ويقول: (ليس بصحيح أن ظهور المقالة كفن أدبي ارتبط بظهور الصحف والمجلات، فقبل أن تعرف الصحف، وقبل أن يخترع فن الطباعة الآلية بقرون طويلة عرف فن المقالة حيث أختاره عدد من الأدباء قالبا فنيا منذ عصر اليونان القدماء). ومعنى رأي الدكتور مندور: إن الصحافة لها دور كبير - لا في نشأة المقال - بل في تطوره والوصول به إلى درجة عالية من الدقة و التركيز، وبراعة العرض وسهولة اللغة وسلاسة الصياغة وتنوع الموضوعات بين دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية وأدبية و ثقافية، كما تنوع أسلوبه بين الأدبي والعلمي المتأدب، والعلمي البحت: وتحددت وسائل نشره من صحيفة أو مجلة، وارتبط بالتيارات الغالبة في المجتمع فكثرت المقالات السياسة مع الصراع السياسي وحركات التحرر، و المقالات الاجتماعية مع تيارات الإصلاح الاجتماعي، والمقالات الأدبية مع المعارك الأدبية- و امتاز أسلوبه بالمرونة وأسهمت الصحافة في رواجه وتطوره، وكذلك وسائل الإعلام المسموعة والمرئية فلا تخلو صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو شهرية أو برنامج في إذاعة أو قناة تلفزيونية من مقالات تعالج مشكلات المجتمع وتعبر عن آماله وآلامه وتحلل وتصل إلى النتائج.
أثر الصحافة في المقال العربي:
على الرغم من وجود المقال قبل تطور الصحافة تحت اسم (الرسالة) إلا أنها أثرت فيه تأثيرا كبيرا كما يلي:
ظهر المقال السياسي نتيجة للوعي القومي، ظهرت الصحف السياسية حافلة بالمقالات السياسية التي تنمي الوعي الوطني وتثير الجماهير وتبصرهم بحقوقهم كالمقالات التي كتبها الشيخ محمد عبده وعبد الله النديم وعلي يوسف و غيرهم
أفسحت الصحافة مجالا كبيرا في صفحاتها للأدباء لكتابة مقالاتهم الأدبية والاجتماعية والفلسفية، فلم يعد المقال فنا أدبيا قائما بذاته بل ارتبط بالحياة وتميز بخصائص كتابه
حرص الكتاب الذين نشروا مقالاتهم في الصحف على أن تظل بين أيدي القراء من الأجيال التالية، فجمعوها في كتب كان لها أثرها في نهضتنا الأدبية والاجتماعية. ومن هذه الكتب (الفصول: للعقاد - وحصاد الهشيم: للمازني - وحديث الأربعاء: لطه حسين – و وحي القلم: للرافعي – و وحي الرسالة: للزيات - وفيض الخاطر: لأحمد أمين - وفي المرآة : للبشري – و نماذج بشرية: لمحمد مندور).
نجحت الصحافة في جذب الكتاب إليها ونشط فن المقال بإتاحة الفرصة لنشره
كان للصحافة أثرها في تنوع المقالات، وجمعها بين الجد والطرافة، وملاحقة التطور الفكري والفني
أثرت الصحافة عن طريق المقال في لغتنا العربية الحديثة فدفعت الأسلوب إلى الترسل والوضوح والتركيز فلم يعد مقبولا أن تكتب المقالات اليومية أو الأسبوعية بلغة المقامات القديمة المرصعة بالمحسنات البديعية، ولم يعد لدى الكاتب وقت يمكنه من التفنن في هذه الزينة اللفظية، ولا القارئ لديه صبر على قراءته
كثير من كتاب المقالة في الصحف كانوا يجمعون بين الثقافتين العربية الأصيلة والغربية الوافدة، فارتفعوا بأسلوبها وعمدوا إلى التحليل والتعليل ووضوح الفكرة ودقة التعبير عنها، في عبارة سليمة سلسة وفي مقدمتهم: لطفي السيد وطه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل - والمازني وعبد القادر حمزة وأمين الرافعي وغيرهم
أنواع المقال:
من ناحية الشكل هناك المقال القصير: الذي يتناول فكرة واحدة بطريقة مركزة شائقة وبأسلوب واضح و عبارة سهلة - وأحيانا يختار كاتبه لمقاله القصير هذا عنوانا ثابتا مثل (فكرة: لمصطفى أمين – وما قل ودل: لأحمد الصاوي محمد - ونحو النور: لمحمد زكي عبد القادر (في جريدة أخبار الخليج) و (صندوق الدنيا: لأحمد بهجت - ويوميات لأحمد بهاء الدين - ومواقف لأنيس منصور - ومجرد رأي: لصلاح منتصر - ووجهة نظر لنجيب محفوظ وغيره) و في كل مقال يعرض الكاتب ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الدينية أو الاقتصادية، ويطلق على هذا اللون من المقال (العمود الصحفي - أو الخاطرة) وذلك لأن الكاتب المعاصر عند كتابته للمقال يتجاذبه عاملان: أحدهما يدعو إلى التطويل، نتيجة لكثرة المعلومات وثراء الأفكار - والآخر يدعو إلى الإيجاز، لضيق المساحة، ومراعاة لضيق وقت القارئ فكيف يوفق بينهما؟ لقد لجأ الكاتب إلى تناول فكرة واحدة في كل مقال، ومتابعة عرض الأفكار بعد ذلك وبهذا استطاع التوفيق بين الدافعين
وهناك المقال الطويل: الذي يتراوح بين صفحتين وعشر صفحات، في موضوع يعرضه الكاتب عرضا شائقا، بلغة سلسة واضحة، محققا عنصري الإقناع والإمتاع. ومن كتاب هذا النوع طه حسين و المازني واحمد أمين وغيرهم
ومن حيث المضمون: يختلف المقال بحسب طبيعة موضوعه و شخصية كاتبه وثقافته، فالكتاب يتفاوتون من ناحية خصب الفكر وضيق الأفق، والميل للتركيز أو البسط، والعمق والسطحية، وامتلاك القدرة اللغوية والقصور فيها
ومن حيث وسيلة النشر: يختلف المقال حسب وسيلة نشره، فما ينشر للعامة في الصحف اليومية مختلف عما ينشر في الكتب الخاصة
قد يكون المقال تصويريا: لتحليل شخصية أديب أو عالم أو غيرها؛ يبرز ما فيها من مزايا أو عيوب عن طريق رسم الصورة بالقلم لا بالريشة؛ كما فعل الشيخ عبد العزيز البشري في (مجلة السياسة الأسبوعية) حيث تحدث عن عدد من كبار الشخصيات المصرية التي عاصرها بأسلوب يجمع فيه بين الدعابة وصدق النظرة
وهناك المقال النزالي الذي يدور في المعارك الأدبية والفكرية
وهناك المقال الفلسفي: وهذا النوع ظهر كفن قائم بذاته لا كجزء من التحرير الصحفي
ومن حيث الأسلوب: هناك المقال الأدبي الذي يقوم على انتقاء الألفاظ وحسن تنسيقها وجمال الأسلوب ومزج الفكرة بالعاطفة و الاعتماد على الأدلة الخطابية واستخدام الخيال
وهناك المقال العلمي المتأدب: يعتمد فيه الكاتب على إيراد الحقائق في صورة جذابة مشوقة ويراعي التحديد والدقة والموضوعية في صيانة سهلة مع بعض الصور التوضيحية
خصائص المقال
هناك خصائص عامة تتحقق في كل مقال وأبرزها
التكوين الفني: و يتمثل في الوحدة المكتملة من ترابط الأفكار و انسجامها
الإقناع: عن طريق سلامة الأفكار ودقتها ووضوحها و الأدلة العقلية أو الخطابية
القصر: وذلك بأن لا يتجاوز بضع صفحات
الإمتاع: بالعرض الشائق
كونه نثرا: فالمقال فن نثري وليس شعرا إذ أن جانب الفكر فيه أكبر من جانب العاطفة
الذاتية: تظهر في المقال ذاتية الأديب و عاطفته ورأيه الشخصي
يتنوع أسلوب المقال تبعا لـ:
شخصية الكاتب
طبيعة الموضوع
وسيلة النشر
أما السمات الأسلوبية المشتركة بين المقالات فهي
وضوح الأسلوب: وتجنب الغريب من الألفاظ والترفع عن الألفاظ العامية المبتذلة والبعد عن الكنايات البعيدة و المجازات ا لغامضة
قوة الأسلوب: وبعده عن الخطأ في القواعد أو تنافر الحروف وغرابة الألفاظ وقلق العبارات والحشو والتطويل في الجمل
جمال الأسلوب: باختيار الألفاظ الملائمة للمعنى والصور الحسنة وبعض المحسنات غير المتكلفة
أبرز مؤشرات القرن المقبل وملامحه
معاني الكلمات
معناها الكلمة
يأتي – يكشف – تتولد يتمخض
شاركه – يقاسمه يشاطره
تتفاعل تحاور
التفهم و الإدراك التبصر
يصيبنا يعتو رنا
التعرقل – التأخر – الضياع التعثر
جمع إرهاصة (مشاعر و أحاسيس) إرهاصات
عدم الاهتمام اللامبالاة
استطاعة – قدرة – قوة اقتدار
النظير للنظير الند للند
عدم الإنتاج عقما
فشلا إحباطا
وسط – مقر – مركز عقر
النظرة السريعة نظرة الطائر
جمع صقيع – (النواحي و الأرجاء) الأصقاع
آخر العنقود
التعريف بالكاتب يوسف الشاروني:
مازال يوسف الشاروني يواصل رحلته الإبداعية. لقد اجتاز خلال هذه الرحلة الطويلة العديد من التجارب. مارس كل الأنواع الأدبية. و خلال ذلك ظلت الكلمات هي وسيلة اتصاله الوحيدة بالقارئ العربي. وحتى حين تركزت الأضواء على تجربته في بداية الستينات كان الأدباء الشبان في مصر هم الذين وجهوها إليه واعترفوا جميعا بأنهم ينتمون إلى تيار التحديث في القصة الذي بدأه من خلال مجموعته الأولى ((العشاق الخمسة)).
لقد فتح الشاروني من خلال هذه المجموعة تيار اللاوعي في القصة العربية الحديثة، وألغى بذلك الكثير من القيود التقليدية، وخلق نوعا من الموازي لما يعتمل في النفس البشرية. وقد ظلت الريادة أحد الملامح المميزة لمسيرة الشاروني سواء في القصة أو المقالة أو حتى في تعامله مع التراث العربي. صدرت له ثماني مجموعات قصصية ((رسالة إلى امرأة)) - 1960، و ((الزحام)) -1969، و ((الكراسي الموسيقية)) -1964، و آخرها ((القصة تطورا وغردا)) - 1995. وعمل مستشارا ثقافيا في سلطنة عمان الشقيقة سنوات عدة، وقد أتاحت له هذه السنوات خبرة الانفتاح على التراث العربي والثقافة الخليجية. كتب عن سلطنة عمان 6 كتب أهمها ((سندباد في عمان)) -1986، و ((في الأدب العماني الحديث)) -1990. كما أنه قام بتحقيق بعض أعمال من التراث والترجمة ونشرت عنه العديد من الدراسات وترجمت قصصه إلى الإنجليزية والفرنسية و الأسبانية وغيرها من اللغات.
معاني المفردات
معناها الكلمة معناها الكلمة
تطاولت – مدت - ارتفعت اشرأبت كلام بصوت خفيف غير مفهوم همهمة
الكسل البلادة ركزوا و أنصتوا أرهفوا السمع
تتعلق تتشبث نزع اقتلاع
حساء للنعناع الموغات شؤم نحسا
ضرب بجمع كفه في صدره لكز شفافا هفهافا
تضج تدوي حسن ظرف
رزانته وقاره يرخي يسدل
طيشه و تسرعه رعونته التعالي لترفع
صارخة مولولة غير واضح تلجج
متحيراً مشدوهاً غاب عن رشده ذهل
تخلص انفلت السريعة الخاطفة
معاناته معاناة شديدة اكتوى كثرت ازدحمت
منقشا مزركشا ذكرياته تأملاته
كلام بصوت خفيف غير مفهوم همهمة أوشك – حاول هم بضربها
تطاولت اشرأبت
القصة:
للقصة بذورٌ في الأدب العربي القديم. تجدها في العصر الجاهلي فيما رُوِيَ عن أيام العرب و حروبهم. و في الأمثال، و ما وراءها من حكايات، و في الخرافات والأساطير التي رُوِيَت فيما أُثِر عن ذلك العصر.
و تمضي إلى العصر العباسي. فترى حكايات (كليلة و دمنة) التي نقلها ابن المقفع عن الفارسية، و (ألف ليلة وليلة) الذي تُرجِم بعضه و استُحدِث بعضه.
ثم تجد المقامات كمقامات "بديع الزمان الهمذاني" و "الحريري" وقد مرت بك في دراستك لأدب العصر العباسي نماذج منها.
أما في العصر الحديث فقد كان من أثر الاتصال بالأدب الغربي أن اتجه الأدباء إلى القصة. و سلكوا إليها مسالك متعددة تتمثل فيما يأتي:
مرحلة الترجمة:
و فيها بدأ الأدباء العرب يترجمون بعض القصص الأجنبية محتفظين - إلى حد كبير - بمعالمها وشخصياتها وأحداثها، و من أوائل من سلكوا هذا المسلك من المصريين رفاعة رافع الطهطاوي الذي ترجم عن الفرنسية "مغامرات تليماك" للأب "فنلون" و سماها "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" و محمد عثمان جلال الذي ترجم عنها قصة "بول و فرجيني"، و سماها "الأماني و المنة في ذكر قبول و ورد جنة"، و نجيب حداد و قد ترجم رواية "الفرسان الثلاثة" لإسكندر ديماس. و في أواخر القرن التاسع عشر هاجر إلى مصر عدد من السوريين. و كان لهم أثرهم في تنشيط حركة الترجمة القصصية، و منهم نقولا رزق الله الذي ترجم رواية "سقوط نابليون الثالث" و نقولا حداد و طانيوس عبده، و مما ساعدهم على ذلك أنهم وجدوا أبواب النشر مُفتَّحةً لهم، و أن الصحف أفردت صفحات لما يقدمون إليها من قصص.
و انتهى القرن التاسع عشر والترجمة هي المسيطرة على القصة، كما إنها كانت ترجمة هابطة لم يحسن أصحابها اختيار القصص، ولا عرضها بأسلوب أدبي سليم.
مع أوائل القرن العشرين استمرت حركة الترجمة في طريقها، وظهرت إلى جانبها حركة التعريب، وذلك بإعطاء شخصيات القصص وأماكنها أسماء عربية، والتصرف في بعض أحداثها لتتفق مع الجو العربي، و من ذلك رواية "البؤساء" لحافظ إبراهيم الذي نقلها عن الفرنسية، وإن كان غير متمكن من هذه اللغة، وكذلك فعل المنفلوطي في روايات: "الفضيلة، و ماجُدُولين، و الشاعر، و في سبيل التاج"، فقد تُرجِمَت له، ثم تولى تعريبها بأسلوبه الليّن العذب. و ظهر إلى جانب ذلك حكايات جمعت بين ملامح القصة و أسلوب المقامة، كما في "حديث عيسى بن هشام" للمُوَيلِحي ، و "ليإلى سَطيح" لحافظ إبراهيم. و لم يكن التعريب عملاً فنياً أو خلاقاً، لأنه يعتمد على نتاج لغير المُعَرّب، ولأن المُعَرّب يستبيح لنفسه التغيير في الأصل الذي ينقل عنه.. و ربما قصَّر في نقل نواح حافظ المؤلف على وجودها، و لهذا تعثر التعريب، وتعثرت الحكايات الشبيهة بالمقامات، على حين مضت الترجمة في طريقها، ونَشِطَت بعد الحرب العالمية الاولى نشاطاً ملحوظاً. و تُرجِمَت الروائع الأدبية التي يُلتَزَمُ فيها الأصل و يعلو الأُسلوب و مثال ذلك ترجمة "محمد عوض" لقصة "فاوست" لجوته، و "أحمد زكي" لقصة "جان دارك" "لبرنارد شو" و "محمود محمود" لقصة "الطلسم" لولتر سكوت. و في الكويت قام السيد محمود توفيق بترجمة كتاب "الحب طيب" الذي يضم ثلاث مسرحيات للكاتب الفرنسي موليير، و في البحرين قام الأستاذ إبراهيم العريض بترجمةٍ لقصيدةٍ بعنوان "صاغ لها الحب لؤلؤاً" من الأدب الهندي، و من الأدب الفارسي ترجم "رباعيات الخيام".
وما زالت المطابع العربية تُخرِج لنا روائع القِصص المُترجَمة ترجمة دقيقة، كما تُخرِج سيلاً من القصص البوليسية و العاطفية التي لا تَظفَر بعنايةٍ في الترجمة والأُسلوب.
مرحلة التأليف:
بدأت هذه المرحلة بظهور القصة التاريخية على يد "سليم البستاني" في قصته "زنوبيا"، و "جورجي زيدان" في قِصَصِه العربية الإسلامية، و منها "أبو مسلم الخراساني" و "عبد الرحمن الناصر"، و "محمد فريد أبو حديد" في قصصه التي منها: "الملك الضليل"، و "عنترة بن شدّاد". و في هذا اللون من القصص كان التاريخ هو الذي يحدد الشخصيات والأحداث؛ مما يجعل تصرف المؤلف - بالغاً ما بلغ من الاتساع - محدود الدائرة.
و في سنة 1910 طُبِعت أول رواية عربية فنية، و هى "زينب" لمحمد حسين هيكل وكانت أول قصة تعالج مشكلات المجتمع المصرى الريفي، و تلتزم الأصول الفنية للقصة العربية، و قد كُتِبَت بلغة سهلة تتناثر فيها بعض الألفاظ العامّية. و مما يُؤخَذ عليها ما شابها من استطراد في السرد و قلة الحوار، و البعد عن الواقعية في بعض المواقف، و مهما يؤخذ على الكاتب فقد فتح الباب أمام معاصريه، فظهرت القصص التي تتجه اتجاهات مختلفة. كالتي تُعنَى بالمشكلات الوطنية و القومية، مثل "عودة الروح" لتوفيق الحكيم، و "ميرامار" لنجيب محفوظ، و التي تُعنَى بالتحليل النفسي، مثل "سارة" للعقاد، أو نقد العيوب الاجتماعية، مثل قصص محمود تيمور، و التي تنزل إلى الطبقات الشعبية، مثل قصص نجيب محفوظ.
و تنوعت مذاهب القصة بين الرومنسية: كروايات – "محمد عبد الحليم عبد الله" و الواقعية كروايات "نجيب محفوظ، و الرمزية كبعض روايات "توفيق الحكيم" و منها "شهرزاد".
كما تنوع شكل القصة من أقصوصة، أو قصة قصيرة، إلى قصة متوسطة أو طويلة، و هى التي تسمى بالرواية. و في الخليج بدأت القصة القصيرة بسيطة بغلب عليها الطابع الرومانسي، ثم تطورت مع مرور الزمن لتنقل واقع الحياة في المنطقة مهتمة بمشكلات الإنسان و الوطن و الأمة، و من أوليات القصص "منيرة" سنة 1928م لخالد الفرج من الكويت، و قصة "حائرة" لمحمود يوسف من البحرين سنة 1941م، و في الخمسينيات برز من كُتّاب القصة القصيرة أحمد كمال، و يهدف في قصصه إلى تصوير المشكلات الاجتماعية و تأثير الواقع الاجتماعي على الفرد، أما أسلوبه فذو نبرةٍ رومنسيّة حزينة.
و يمثل القصة الواقعية محمد عبد الملك في مجموعته "موت صاحب العربة" 1973م، يُعبّر فيها عن البيئة المحلية، و يركز على مدى ارتباط الإنسان بها و بمجتمعه و في اتجاهه نحو الواقعية تجاوز النهج التقليدي السابق للقصة.
و من الذين برعوا في كتابة القصة: خلف أحمد خلف، و أحمد جمعة، و فؤاد عبيد، و فرحان الفرحان، و سلمان الشّطى، و فاضل خلف.
مادة العمل القصصي:
يتحرك الكاتب القصصي في الحياة بعين يقظة، تراقب الناس و الأشياء، و الأحداث و المواقف الكثيرة، فهو على اتصال بالناس في كل مكان. في البيت، و في الطريق، و في مكان العمل، و في المقهى و في النادي، و وسائل الانتقال و غيرها، و هو يلقى الرجال و النساء و الأطفال من مختلف الفئات و المستويات، و تربطه ببعض هؤلاء صداقة حميمة أو معرفة عابرة، أو مجرد المكان الذي يلقاهم فيه، و لكنه يتفاعل معهم جميعاً، و تستقر في نفسه انطباعات خاصة لكل منهم.
و بالطريقة نفسها يعايش الكاتب القصصي كل ما يقع له أو للآخرين من أحداث، و كل ما يعرض له أو لهم من مشكلات، فهو يخترن ذلك كله في نفسه، و يكتسب من خلاله خبرةً خاصةً يستغلُّها في أعماله القصصية.
لكن الحياة طويلة و عريضة، فلا يستطيع إنسان - مهما اتسعت دائرة حياته - أن يُلِم بكل أطرافها، و يتعرف كل حقائقها، و يعيش في كل ما فيها من تجارب؛ و لهذا يضطر الإنسان إلى تحصيل قدر كبير من الخبرات عن طريق القراءة، قد يكون أضعاف ما يحصله بنفسه من خبرات.
إن حياة الإنسان محدودة بالزمان الذي يعيش فيه، و بالمكان الذي يتحرك في دائرته، و من ثم تكون خبرته الذاتية محدودة بهذين الحدَّين، أما خبرته التي يستطيع أن يحصلها من خلال تجارب الآخرين فلا تكاد تحُدُّها حدود فهو يستطيع من خلال ما يقرأ، و ما يُروَى له - أن يتعرف أشياءَ لا تكاد تُحصى و شخوصاً كثيرين، عاشوا في زمان و مكان غير زمانه و مكانه.
و كما تجتذب الكاتب القصصي بعض الأشياء و الأحداث و الشخوص من خلال تجاربه الخاصة كذلك تجتذبه أشياء و أحداث و شخوص من خلال ما يقرأ و ما يُروَى له، فيستمد من ذلك كله مادةً لعمله القصصي و الخلاصة أن مادة القَصص ترجع إلى مصدرين هما:
الخبرات الذاتية التي يُحصّلها الكاتب من خلال تجاربه الخاصة .
الخبرات التي يُحصّلها من خلال تجارب الاخرين المدونة أو المَرويَّة و التي تمثل ثقافته العامة .
الموقف النقدي من هذه المادة:
لما كانت مادةُ العمل القَصصي ترجع إلى هذين المصدرين نشأت نتيجةً لذلك قاعدة نقدية عامة تقول: ((إن الشيء يكتسب قيمةً خاصةً عندما يكون الكاتب نفسه قد عاناه و خَبَره)) فكل ما يقع في نطاق خبرة الكاتب الخاصة له أهميته، لأن الكاتب عندئذ يكون أميناً مع نفسه، صادقاً فيما يروي، فإذا هو حاول الخروج عن ميدان تجاربه الخاصة افتقر عمله إلى عنصر الصدق.
فقد يكون الكاتب ممن عاشوا كل حياتهم في المدينة، ثم يكتب قصةً تجري أحداثها، و تتحرك شُخُوصها في البيئة الريفية، و بذلك يتناول أشياء لم يعايشها، و لم تستقر في وجدانه؛ و من ثَمَّ تكون القصة فاقدةً لعنصر الصدق، و هذا من شأنه أن يقلل من قيمتها.
و قد يتحدث الكاتب مثلاً عن مغامرة أحد شُخُوص قصته في الصحراء دون أن يكون قد عرف الصحراء و خبرها، و بذلك لا يستطيع أن يقدم شيئا له قيمة.
و كذلك يكون الأمر إذا هو كتب عن الأطفال، أو عن فئةٍ من فئات العمال أو عن حي من أحياء المدينة دون أن يكون قد عاش في هذه الخبرات و عاناها.
هذه القاعدة إذاً تقتضي أن تكون مادة العمل القصصي كلها مستمدة من خبرات الكاتب الخاصة؛ ضماناً لعنصر الصدق فيها.
و لكن لما كانت خبرات الفرد محدودةً - فإن كاتب القصة يستطيع أن يُفيد من خبرات الآخرين حين يَتَمَثَّلها تمثيلاً جيداً، حتى تصبح كأنها خبراته الخاصة. و على هذا تستطيع أن تخلص إلى النتيجة الآتية:
إن مادة العمل القصصي مشتقة من الحياة، سواءٌ الحياة التي عاشها الكاتب نفسه، أم التي عاشها الآخرون، على أن بتمثل هذه المادة تمثُّلاً جيداً، و يكون صادقاً مع نفسه في كل ما يقول.
كيف يستخدم الكاتب هذه المادة:
حين يعود كاتب القصة إلى نفسه ليستمد من مخزون تجارية لا يستمد من هذا الرصيد كل ما يَعِنُّ له، بل ينتقي منه و يختار ما هو لازمٌ لنسيج قصته. فالمواقف و الأحداث التي تطالعنا في إحدى قصصه ليست بالضرورة سلسلةً متصلةَ الحلقات من المواقف و الأحداث التي وقعت في الحياة على هذا النسق، بل كثيراً ما تكون أشتاتاً من المواقف و الأحداث التي مر بها أو عرفها، حتى إذا جاءت عملية الإبداع الفني للقصة راح يختار من هذه الأشتات ما يراه لازماً لتكوين نسقٍ خاصٍ منها، له هدفه المحدَّد، و له مغزاه.
و قد تكون الواقعة تاريخيةً و يجد نفسه مضطراً إلى الارتباط بها أو بمجملها، و مع ذلك لا يفتأ يستمد من رصيده الخاص من الخبرات ما يكون ملائماً لصياغة هذه الواقعة صياغةً جديدة، تجعل لها مغزى خاصاً.
عناصر العمل القصصي:
العمل القصصي له إطار خاص، يضم مجموعة من العناصر الأساسية وهذه :العناصر هي :
الحادثة
الشُّخُوص
البناء: و يتضمن العقدة و الحل
الزمان والمكان
السرد و الحوار و الوصف
الفكرة
الحادثة:
القصة تتكون من مجموعة من الوقائع الجزئية، و ترتبط هذه الوقائع ببعضها البعض في نظام خاص؛ حتى تُكوّن من مجموعها الإطار القصصي، أي الحكاية في صورتها المجردة، ففي كل القصص إذاً يجب أن تحدث أشياء في نظامٍ معين، و بطريقةٍ خاصة.
و بعض النقاد يُسَمّي الإطار القصصي بالحبكة القَصصية، و مهما تكن التسمية فإن المهم في أي عملٍ قصصي فني أن تكون مجموعة الوقائع التي يرويها الكاتب مترابطةً بطريقةٍ منطقية، تجعل من مجموعها وحدةً مكتفيةً بذاتها، لها دلالتها المُحدَّدة.
و بهذا تختلف القصة من حيثُ هي عملٌ فني عن أي حكاية يروي فيها واحدٌ منا لصديقه مثلاً ما و قع له من أحداث، بالرغم من أنها أحداث حقيقية، و يتمثَّل الفرق الجوهري في هذه الحالة في أن القصة الفنية بها إطار عام، يضم أجزاءها، و يبرز لها في النهاية دلالة خاصة محددة.
و هذا النوع من القصص، الذي يُعنَى عناية خاصة بالوقائع و سردها، سواءٌ أكانت وقائع تاريخية أم شبه تاريخية، أم كانت مما يحدث في حياتنا الواقعية – هذا النوع يسمى ((قصة الحادثة))، أو القصة السردية)).
الشُّخُوص:
أن نلاقيَ في كل قصة عدداً من الشخوص، يقل أو يكثُر، وفقاً لأهمية الوقائع التي ترتبط بهم.
و القصة دائماً مَعرضٌ لأشخاص جدد، يلاقيهم القارئ، لأول مرة، فيحاول أن يتعرَّفَهم خلال الصورة التي يرسمها الكاتب لكل منهم، و ينجح في رسم كل شخصية حتى تبدو و كأنها شخصية حية، متميزة بسمات خاصة حين تتحرك، و تتكلم، و تنفعل بالأشياء، و حين تبدو و كأنها تُرَى رأيَ العين.
يقتضي رسم الشخصية من الكاتب الالتفات إلى أمرين:
التكوين الجسمي و الملامح البارزة في الشخصية.
التكوين النفسي و الطابع المميز للشخصية.
أي أن تصوير الشخصية له بعدان. بعدٌ ظاهريٌ و بعدٌ باطني.ٌ
و الشخوص في العمل القصصي من حيث "دورها" نوعان:
شخوصٌ أساسيون:
و هم الشخوص الذين يكونون محوراً لكل ما يقع من أحداث في القصة أو معظمِها، و ليس المقصود بالبطولة في القصة شجاعة البطل، بل المقصود تعلق أحداث القصة و غايتها النهائية بشخصه، فبطل القصة هو الشخصية المحورية فيها.
شخوصٌ ثانويون:
و يقومون بأدوار لها أهميتها في إكمال الإطار القصصي و ربما أجزائه بعضها ببعض، أو في إلقاء مزيد من الضوء على ما يجري من أحداث، أو مساعدة البطل في المواقف المختلفة، و لذلك يظهرون و يحتفون وفقاً لما تقتضيه المواقف المختلفة.
وتنقسم شخوص القصة كذلك من حيث تكوينها إلى نوعين:
نوع يسمى بالشخصية المسطحة، و هي شخصية تظهر في كل المواقف التي تظهر فيها بصورة محددة منذ البداية، فلا يعتريها أي تغيير في تكوينها، و يظل لها طابع واحد في سلوكها و في انفعالها بالأشياء، و يُعَاب هذا النوع من الشخصيات في القصة، و لا سيما حين يكون من الشخصيات الأساسية.
نوع يُسمَّى بالشخصية النامية، أو الشخصية المتطورة، و هي الشخصية التي تنكشف لنا جوانبها و أبعادها شيئاً فشيئاً من خلال المواقف و الأحداث المختلفة و تطورها؛ و هي لذلك لا تكتمل أمامنا صورتُها إلا بانتهاء القصة نفسها، و هذا الطراز من الشخصيات هو المُفَضَّل في الفن القصصي.
البناء و يتضمن العقدة و الحل:
يتكون إطار العمل القصصى -كما قلنا - من مجموعة الأحداث و الوقائع التي يؤلف بينها الكاتب على نحو بعينه؛ فالأحداث و الوقائع إذاً هى المادة التي يبني منها الكاتب عمله القصصي .
و هناك طرقٌ لا حصر لها لبناء العمل القصصي، تختلف باختلاف النوع القصصي الذي يكتبه الكاتب، كما تختلف وفقاً لتصوره لإطار عمله و مادته
و المألوف في أسلوب البناء أن يتبع الكاتب تخطيطاً محدداً بحيث تبدو الأحداث مترابطة، يؤدي بعضها إلى بعض، و تتجه شيئاً فشيئاً إلى التعقيد الذي يتطلب الحل، و بذلك تسير في خط ممتد بين الهدف و النتيجة. و من شأن هذا الشكل البنائي أنه يُشوّق القارئ إلى الاستمرار في متابعة أحداث القصة حتى النهاية، لكي يعرف على أي نحو تكون النتيجة .
الزمان والمكان:
كل حادثة إنما تقع في مكان معين و زمان محدد، و لما كانت القصة مجموعةً متصلةً من الأحداث كان من الضروري تحديد المكان و الزمان اللذين وقعت فيهما هذه الأحداث؛ لأن لكل بيئةٍ مكانيةٍ و كل حقبةٍ زمانيةٍ في حياة الأفراد و الجماعات طبيعة خاصة و سمات مميزة، و من هنا كانت معرفة البيئة و الحِقبة الزمنية أمراً ضرورياً؛ لأنه من خلال المكان و الزمان يمكننا فهم الوقائع و الأحداث، و فهم سلوك الشخوص أنفسهم، و تقدير القيم التي يمثلونها .
و الكاتب الناجح هو ذلك الذي يظل في تحريكه للأحداث و الشخوص مرتبطاً بالمقومات العامة للبيئة الزمانية و المكانية، فلا يُقحِم عليها ما لا ينتمي إليها .
السرد و الحوار و الوصف:
السَّرد هو نقل الأحداث و المواقف من صورتها الواقعة إلى صورة لُغَوية تمثلها لدى القارئ بطريقة تجعله يتخيلها و كأنه يراها رأيَ العين .
و هناك ثلاثة طرق عامة لسرد أحداث القصة :
- الطريقة المباشرة، و هى أكثر الطرق شيوعاً، و فيها يقف المؤلف خارج الأحداث، و يروي ما يحدث للآخرين
طريقة السرد الذاتي، و فيها تُروَى الأحداث على لسان المتكلم. و هو غالباً بطل القصة، و يبدو المؤلف كأنه هو هذا البطل
- طريقة الوثائق، و فيها يعتمد المؤلف على الخطابات و المذكرات و اليوميات و غيرها، و بتخذ منها أدواتٍ لبناء قصةٍ متصلةِ الأجزاء
و إذا كان السرد هو الأسلوب الذي يغلب استخدامه في القصة فإن الكاتب يستخدم إلى جانبه أسلوب الحوار أحياناً و أسلوب الوصف أحياناً أُخرى. و غاية الكاتب القصصي من استخدام الحوار أحياناً هو أن يجعل القارئ أكثر قرباً من المؤلف أو الواقعة، فالحوار يُكسِب المشهد حيويةً خاصة .
أما الوصف فأسلوب يتخلَّل العمل القصصي كله، و يمهد الكاتبُ لعبارات المتحاورين .
و قد يستخدمه غير مرتبط بالحدث أو بالحوار و التصوير يؤدي في القصة وظيفة فنية خاصة، هى أنه يمثل الجو النفسي الذي تجري في إطاره الأحداث، و يمهد لها نفسَ القارئ. و معيار نجاحه أن يُشيع في نفس القارئ ألوان المشاعر التي تتفق مع طبيعة الأحداث .
الفكرة:
عندما نفرغ من قراءة أى قصة نكون قد عرفنا تفصيلاً كل ما حدث، و كيف حدث، و لكننا عند هذه المرحلة نسأل أنفسنا: لماذا حدث؟ أى ما مغزاه؟ و هو ما نُسمّيه الفكرة .
و نحن حين نبحث عن مصدر إعجابنا بقصة من القصص نجد أن فكرتها كان لها أثر كبير في هذا الإعجاب؛ من حيث إنها كشفت لنا عن حقيقة من حقائق الحياة أو السلوك الإنساني .
و الكاتب المتمكن هو ذلك الذي يستطيع دامماً أن يوائم بين الفكرة التي يسعى إليها و الإطار الفني الذي يُخرِجُها فيه .
هذه هى العناصر الرئيسة في العمل القصصى و "الدور" الذي يقوم به كل عنصر منها، و هى جميعاً
عناصر متكاملة، و مترابطة، تعمل جميعاً في وقت واحد، من أجل تحقيق العمل القصصي ا لناجح .
الأنواع القصصية:
ينقسم الفن الروائي بشكل عام إلى الأنواع التالية:
الرواية: و هي أضخم الأنواع حجماً، و كانت في الماضي تغلب عليها النزعة الرومانسية، كما كانت تهتم بتصوير البطولات، و الوقائع فيا لها أهمية في ذاتها.
القصة: و تلي الرواية في الحجم، و هي أكثر منها انتشاراً؛ لأنها قادرة على أن تستوعب كل ما يهم الإنسان في الحياة الواقعة من قضايا و مشكلات.
القصة القصيرة : ولها ا اعتبارات خفية خاصة؛ نتيجة صغر حجمها؛ فهي في الغالب تمثل حدثاً مفرداً، أو تصور شخصية مفردة، أو عاطفة مفردة، أو مجموعة من المشاعر التي أثارها موقفٌ مفرد؛ و لذا كان التركيز سمةً أساسيةً فيها، و هي أكثر الأنواع انتشارا.ً
الأقصوصة: و تقع في الحجم بين القصة و القصة القصيرة و قليل من المؤلفين من يكتب هذا النوع، و يمكن التمثيل لها بأقصوصة "عَودٌ على بدء" لإبراهيم عبد القادر المازني، و أقصوصة، "المصور" التي تجدها في كتاب الأدب.
الاتجاهات العامة للقصة:
تعرف القصص باتجاهاتٍ عامة، أهمها:
القصة الرومانسية
القصة الواقعية
القصة التاريخية
القصة الاجتماعية
القصة التحليلية النفسية
القصة "البوليسية"
القصة "البوليسية"
و هذه الأسماء تشير إلى الاتجاه العام الذي يغلب على القصة، و ليس هناك ما يمنع من أن تحمل القصة وصفين معاً، كأن تكون واقعية اجتماعية أو اجتماعية تحليلية، أو تحليلية علمية.. الخ، و يتحدد هذا الوصف في كل حالةٍ بمنحى الكاتب، و طبيعة الموضوع الذي يتناوله في قصته، و طريقته في التناول و العرض.
عناصر العمل القصصي:
الموشحات
الموشحات جمع موشحة، و هي مشتقة من الوشاح وهو -كما في المعاجم- خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما معطوف أحدها على الآخر. والتسمية دقيقة إذ الموشحة تتألف من قفل يسمى مركزا، وتتعدد أجزاؤه أو شطوره، و يليه غصن متعدد الأجزاء أو الشطور، و بينما تتحد أجزاء الأقفال التالية مع الأجزاء المقابلة لها في القفل الأول سواء في الوزن أو القافية تختلف أجزاء الأغصان التالية مع أجزاء الغصن الأول في قافيته، فلكل غصن قافية تتحد في أجزائه أو شطوره مع اتفاق أجزاء الأغصان جميعا في الوزن. و الموشحة -بذلك- تتألف من مجموعتين من الأجزاء أو الشطور، مجموعة تتحد أجزاؤها المتقابلة في الأقفال المتعاقبة في الوزن والقافية، ومجموعة تتحد أجزاؤها في الوزن وحده دون القافية فإنها تتخالف فيها دائما، وهما -بهذه الصورة-يشبهان الوشاح المذكور آنفا أدق الشبه.
واشتهرت الأندلس بأنها هي التي ابتكرت فن الموشحة، وُيظن أنه كان لاتساع موجة الغناء والموسيقى منذ زرياب في عهد عبد الرحمن الأوسط أثر كبير في نشوء الموشحة بقصد الغناء بها مع العزف، وكأنها تتألف من فقرتين: فقرة للمنشد و فقرة ترد بها الجوقة. وكان بدء ظهورها في عهد الأمير عبد الله بن محمد (275-300 هـ) يقول ابن سعيد: "ذكر الحجاري في كتاب المسهب في غرائب المغرب أن المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافر القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ عنه ذلك أبو عمر بن عبد ربه صاحب "العقد" ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكدست موشحاتهما". ويسمي ابن بسام في ترجمته لعبادة بن ماء السماء مخترعها خطأ باسم "محمد بن حمود القبرى الضرير"، ويقول: "كان يضعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة" وظن بعض -الباحثين- وخاصة من المستشرقين الأسبان- أن ذلك يدل على أن الموشحة لم تكن تنظم في نشأتها بالفصحى على أعاريض الشعر العربي وأوزانه إنما كانت تنظم على أعاريض المقاطع مثل الشعر الأوروبي. وهو خطأ في الفهم إذ أن كلمة "الأعاريض المهملة غير المستعملة عند ابن بسام لا تفيد ذلك، إنما تفيد ما ردده العرضيون المشارقة والمغاربة من أن الدوائر الخمس التي ضبط بها الخليل بن أحمد المتوفى سنة 175 للهجرة أعاريض الشعر العربي تفسح لأوزان مهملة لا تنحصر لم يستخدمها العرب في أشعارها، واستخدمها في عصره -كما يقول صاحب الأغاني- تلميذه عبد الله بن هارون بن السميدع البصري، وأخذ ذلك عنه وحاكاه فيه رزين العروضي وأتى فيه ببدائع جمة، وجعل أكثر شعره من هذا الجنس و قد أنشد ياقوت قصيدة له في مديح الحسن بن سهل، وأشار إلى أنها خارجة على أوزان الشعر العربي وأنها إنما تجري على وزن من أوزان الخليل المهملة، وهو في رأينا عكس وزن المنسرح. ويعد أبو العتاهية أهم شاعر عباسي ثان نظم أشعارا له مختلفة على تلك الأوزان المهملة.
ومعنى ذلك كله أن كلمة الأعاريض، المهملة غير المستعملة التي أشار ابن بسام إلى أن أشطار أكثر الموشحات نظمت عليها لا يقصد بها أنها أعاريض أعجمية، إنما يقصد بها أنها من أعاريض دوائر الخليل المهملة التي لم يستعملها العرب، وقد يقال إنك اقتطعت كلمة ابن بسام من بقية لها تدل على ما نقول، إذ يذكر ابن بسام عن منشئها -في رأيه- محمد بن محمود القبرى الضرير أنه كان: "يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز و يضع عليه الموشحة" و هو يقصد قفلها الأخير الذي يأتي به في الخاتمة. وربما كان ذلك ما دعا "ربيرا إلى القول بأن الموشحة طراز شعري يمتزج فيه الشرق بالغرب. ويتسع المشرق الأسباني غرسية بالفكرة ويقول مستدلا أن الخرجات الرومنسية في الموشحات الأولى كانت أجزاء مقتبسة من أغاني شعبية أسبانية أعجب بها الوشاح الأول واتخذها قاعدة بنى على شاكلتها موشحته مرصعا بها بذلك الجزء وليس في يده دليل على أن الخرجة عند الوشاح الأول كانت تقتطع من أغنية رومنسية فهو مجرد ظن وأقرب منه وأصح منطقيا أن يكون قد حدث أحيانا عند الوشاح الأول اقتباس صيغة عامية أو أعجمية في نهاية الموشحة على سبيل التطرف كما حدث مرارا عند الشعراء العباسيين وحتى بعد أن ازدهر هذا الفن لم يستطع باحث بين المستشرقين الأسبان أن يرد خرجة رومنسية الى أغنية رومنسية كانت متداولة في الأندلس.
أما لماذا استمر الوشاحون يجنحون أحيانا في بعض موشحاتهم إلى اختتامها بصيغة رومنسية وأعجمية فقد ذكر ابن سناء الملك السبب الأهم فيه إذ قال: "الخرجة عبارة عن القفل الأخير من الموشح، والشرط فيها أن تكون حجاجية نسبة إلى ابن حجاج شاعر بغدادي مفرط في المجون من قبل السخف، قزمانية (نسبة إلى ابن قزمان الزجال) من قبل اللحن حارة محرقة من ألفاظ العامة..ويجعل الخروج إليها وثباً واستطراداً وقولاً مستعاراً على بعض الألسنة وأكثر ما تجعل على ألسنة الصبيان والنسوة والسكرى والسكران، ولا بد في البيت قبل الخرجة من قال أو قلت أو غنى أو غنت وواضح إن ما تحمله الخرجة أحياناً -أو ما يريد لها الوشاح أن تحمل- من مجون زائد عن الحد أو أنه قد تقال على لسان المرأة كان السبب في استخدام الوشاح الأندلسي أحياناً للخرجات الرومانسية فرارا من التصريح بألفاظ مفحشة نابية وأن كثيراً من الخرجات العجمية تشكو فيها الفتاة لأمها تباريح حبها لمن سلبها روحها وفؤادها متذللة لعاشقها تذللا شديدا، وقد يصاغ ذلك في خرجات عامية لكن في تلميح غالبا دون أن يخدش حياء الفتاة، أما ما كان يظن الوشاح أنه يخدش حياءها فكان يصوغه في عبارة لاتينية دارجة أو رومنسية وهو الباعث على وجود الخرجات الأعجمية في بعض الموشحات لا أنها نشأت على أساس بعض الأغاني بل يقطع بأن الموشحات عربية خالصة أن من يقرنها إلى المسمطات العباسية يلاحظ أن المسمطات قصائد تتألف من أدوار تقابل الأغصان في الموشحة، وكل دور مثل الغصن يتألف من أربع شطور أو أكثر تتفق في قافية واحدة ماعدا الشطر الأخير فإنه يستقل بقافية مغايرة، وهو يتحد فيها مع الشطور الأخيرة في كل دور من أدوار المسمط ويسمى عمود المسمط فهو القطب الذي يدور عليه وهو يقابل بوضوح المركز أو القفل في الموشحة وكل ما بينهما من فروق أن الشطر في نهاية أدوار المسمط واحد بينما هو في مراكز الموشحة متعدد وقد أحس الأندلسيون بالمشاكل الجديدة بين الموشحة والمسمط ولفظ المسمط من السمط وهو قلادة تنتظم فيها عدة سلوك تلتقي جميعها عند جوهرة كبيرة لذلك رأوا أن يشتقوا الموشحة من وشاح المرأة الذي يمتد فيه خيط مرصع باللؤلؤ والجواهر. وهي تسمية بارعة للموشحة وما تحمل من لآلئ الأقفال وجواهر الأغصان.
ومن أكبر الأدلة على أن الموشحة بدأت محاكاة للمسمط جعل اللفظ العامي مركزا أو كما سمي قفلاً ويضع عليه أشطاراً، والمركز عند الوشاح شطراً واحداً كما في المسمط. ويبنى على هذا المركز أشطار الأشعار وكان أكثرها على الأعاريض، المهملة غير المستعملة، بحيث يمكن أن يستخرج منها ما لا يحصى من أوزان مهملة لم يستخدمها العرب، ومضت الموشحة على هذه الصورة عند الوشاح الأول الذي ابتكرها وكان أول من أكثر في الموشحة من التضمين في المراكز أي أنه أول من أحدث في الموشحة تعدد الأجزاء أو الشطور، وأضيف إلى الموشحة تطورا جديدا هو تضمينه مواقع الوقف في الأغصان أو بعبارة أخرى دقة التجزئة في أشكال الأغصان، وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقها ووضعوا حقيقتها غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقيم منآدها، وقوم ميلها وسنادها وكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه ولا أخذت إلا عنه. وابن شاكر الكتبي احتفظ لعبادة بن ماء السماء. موشحتين تتقابل فيهما أجزاء المراكز أو الأقفال، وتتقابل الأجزاء في كل غصن تقابلاً دقيقاً على نحو ما نرى صنيعه في هذا الغصن متغزلاً
و وجهــه انهار ليليــــــة الذوائب
و رشفها عقار مصقـولة الترائـــــب
و الــخد جلنار أصداغها عقارب
وتتوالى الأغصان على هذه الصورة مجزأة إلى ستة شطور تتحد الثلاثة الأولى منها في القافية وبالمثل الثانية وأصبح ذلك تقليدا ثابتا للموشحات بعده والوزن في هذه الأغصان مستفعلن فعولا كأنه تجزئة من وزن الرجز
يعزل ولم يعدل في أمة أمرا من ولى
إلا لحاظ الرشأ الأكحل
وظلت الموشحات بعد ابن ماء السماء تنظم إما على أعاريض الشعر العربي المستعملة وإما على أعاريضه المهملة، وموشحتاه تتألفان من ستة أقفال وخمسة أغصان، ويغلب في الموشحات بعده أن تتخذ هذه الصورة وقد تطول أكثر أو تنقص فيزيد فيها عدد الأقفال والأغصان إلى ثمان أو تنقص إلى أربع، وقد يبدأ الموشح بغصن ويسمى - حينئذ - أقرع، وقد يتألف القفل من جزأين أو ثلاثة وقد يطول إلى ثمانية أجزاء وبالمثل الغصن. ويسمى القفل الأخير باسم الخرجة وقد تكون ألفاظه أعجمية أو عامية كما مر بنا، ويكثر أن تكون عربية بلغة سهلة مألوفة تقرب قربا شديدا من اللغة الدارجة.
ويقبل على نظم الموشحة غير شاعر من شعراء أمراء الطوائف، نذكر منهم القزاز محمد بن عبادة، ومنهم ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون أمير طليطلة، ووزيره أبو عيسى بن لبون، وابن اللبانة محمد بن عيسى، وأغلب موشحاته مدائح في المعتمد بن عباد أمير إشبيلية، وهو يستهلها دائما بغزل رقيق من مثل قوله:
من الأقاح بنسيمه العبق يفتر عن لؤلؤ في نسق
هل من سبيل لرشف القبل
هيهات من نيل ذاك الأمل
كم دونه من سيوف المقل
سلت بلحظ وقاح خجل
بناء الموشحة:
الموشحة منظومة غنائية، لا تسير في موسيقاها على المنهج التقليدي، الملتزم لوحدة الوزن ورتابة القافية، و إنما تعتمد على منهج تجديدي متحرر نوعا، بحيث يتغير الوزن وتتعدد القافية، ولكن مع التزام التقابل في الأجزاء المتماثلة.
فالموشحة تتألف غالبا من خمس فقرات، تسمى كل فقرة بيتاً. والبيت في الموشحة ليس كالبيت في القصيدة، لأن بيت الموشحة فقرة أو جزء من الموشحة يتألف من مجموعة أشطار، ولا من شطرين فقط كبيت القصيدة. و كل فقرة من فقرات الموشحة الخمس، ينقسم إلى جزأين: الجزء الأول مجموعة أشطار تنتهي بقافية متحدة فيما بينها و مغايرة في الوقت نفسه للمجموعة التي تقابلها في فقرة أخرى من فقرات الموشحة. أما الجزء الثاني من جزئ بيت الموشحة، فهو شطران -أو اكثر-تتحد فيهما القافية في كل الموشحة، والجزء الأول الذي تختلف فيه القافية من بيت إلى بيت يسمى غصناً، والجزء الآخر الذي تتحد قافيته في كل الموشحة، يسمى قفلاً.
هذا ما يتعلق بالقافية، ويلاحظ أن فيها حرية وتنويعاً من الجانب، والتزاماً وتماثلا من جانب إلى آخر. أما الحرية والتنوع ففي الأغصان، حيث تغاير قافية كل غصن قافية باقي الأغصان. و أما الالتزام والتماثل في الأقفال، حيث يجب أن تتحد قوافيها في الموشحة كلها.
أما أوزان الموشحة ففيها كذلك حرية وتنوع يقابلهما التزام وتماثل. أما الحرية ففي جواز استخدام البحر الذي ستصاغ على وزنه الموشحة في عدة حالات، أي من حيث التمام والجزء والشطر، أو بعبارة أوضح، يجوز في الموشحة أن تكون بعض أشطارها من بحر على تفاعيله التامة، وأن تكون بعض الأشطار الأخرى من نفس البحر، ولكن على تفاعيله المشطورة أو المجزوءة، فتأتي بعض الأشطار طويلة عديدة التفاعيل، وتأتي أخرى في نفس الموشحة قصيرة قليلة التفاعيل، بل أنه يجوز أن تأتي بعض الأشطار من بحر والبعض الآخر من بحر ثان.
وأما الالتزام والتماثل، ففي وجوب أن يأتي كل جزء من أجزاء الموشحة المتماثلة، على وزن متحد، والأجزاء المتماثلة هي: الأغصان مع الأغصان والأقفال مع الأقفال.
فإذا جاء الغصن في الفقرة الأولى على وزن معين، يجب أن تأتي كل الأغصان على نفس الوزن. وإذا جاء القفل الأول على طريقة خاصة من حيث طول الأشطار وقصرها من بحر ما، يجب أن تأتي كل الأقفال على نفس الطريقة. ويلاحظ أن تلك الأقفال يجب أن توافق المطلع الذي يسبق عادة كل الفقرات، وهذه الموافقة بين الأقفال يجب أن تكون في الوزن والقافية والمطلع.
وقد درج الباحثون على تسمية الأجزاء المختلفة للموشحة بأسماء اصطلاحية. وقد مضى بعض تلك الأسماء. وهي: البيت للفقرة، والغصن لمجموعة الأشطار التي تتغير قوافيها من فقرة إلى أخرى، والقفل للأشطار التي تتحد قوافيها في الموشحة كلها. وبقي أن نذكر أن القفل الأخير من الموشحة يسمى خرجة. وأن الموشح الذي ليس له مطلع يسمى الأقرع، والذي يبدأ بمطلع يسمى التام.
ولعلنا بعدما تقدم ندرك سر تسمية هذا النوع من النظم بالموشح أو الموشحة. فالوشاح: حلية ذات خيطين يسلك في أحدهما اللؤلؤ، وفي الآخر الجوهر و هو جلد عريض مرصع بالجوهر تشد المرأة بين عاتقها وكشحها. والثوب الموشح هو الثوب المزين، فالفكرة إذاً هي فكرة التجميل المنوع المعتمد على التقابل، وهكذا الموشح أو الموشحة أيضا، فهي تزدان بالقوافي المنوعة والأوزان المتعددة، ولكن مع التقابل في أجزائها المتماثلة.
وهذا نموذج لموشحة، نسوقه لكي تتضح تلك الأجزاء التي في هذا البناء الشعري، لا لنقدم شاهدا من موشحات تلك الفترة التي لا يوجد بين أيدي الدارسين اليوم شيء من موشحاتها. و الموشحة لابن سهل الإشبيلي، وهو من شعراء القرن السابع الهجري، وقد أوردنا موشحته بدلا من تصوير بناء هذا النظم الأندلسي بالخطوط والرموز.
يقول ابن سهل:
قلب صب حله عن مكتس هل دربي ظبي الحمى أن قد حمى
لعبت ريح الصبــــا بالقبس فهـــو في حـر و خفـــق مثلمــــــا
أسدا و ردا و أهواه رشا اتقي منه على حكم الغرام
و هو من ألحاظه في حرس قلت لما أن تبـدى معلما
اجعل الوصل مكان الخمس
أيها الأخــــدق قلبي مغما
نشأة الموشحات:
والموشحات قد نشأت في الأندلس، أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وكانت نشأتها في تلك الفترة التي حكم فيها الأمير عبد الله، وفي هذه السنين التي ازدهرت فيها الموسيقى وشاع الغناء من جانب، وقوى احتكاك العنصر العربي بالعنصر الأسباني من جانب آخر. فكانت نشأة الموشحات استجابة لحاجة فنية
أولا، ونتيجة لظاهرة اجتماعية ثانيا، أما كونها استجابة لحاجة فنية، فبيانه أن الأندلسيين كانوا قد أولعوا بالموسيقى وكلفوا بالغناء، منذ أن قدم عليهم زرياب، و أشاع فيهم فنه.
والموسيقى والغناء إذا ازدهرا كان لازدهارهما تأثير في الشعر أي تأثير. وقد اتخذ هذا التأثير صورة خاصة في الحجاز والعراق حين ازدهر فيهما الغناء والموسيقى في العصر الأموي ثم العباسي.
وكذلك اتخذ هذا التأثير صورة مغايرة في الأندلس حين ازدهر فيها الغناء والموسيقى في الفترة التي نسوق عنها الحديث. فيظهر أن الأندلسيين أحسوا بتخلف القصيدة الموحدة، إزاء الألحان المنوعة، وشعروا بجمود الشعر في ماضيه التقليدي الصارم، أمام النغم في حاضره التجديدي المرن. و أصبحت الحاجة ماسة إلى لون من الشعر جديد، ويواكب الموسيقى و الغناء في تنوعها واختلاف ألحانها ومن هنا ظهر هذا الفن الشعري الغنائي الذي تنوع فيه الأوزان وتعدد القوافي، والذي تعتبر الموسيقى أساسا من أسسه، فهو ينظم ابتداء للتلحين والغناء.
وأما كون نشأة الموشحات قد جاءت نتيجة لظاهرة اجتماعية، فبيانه أن العرب امتزجوا بالأسبان، وألفوا شعبا جديدا فيه عروبة وفيه أسبانية، وكان من مظاهر الامتزاج، أن عرف الشعب الأندلسي العامية اللاتينية كما عرف العامية العربية، أي أنه كان هناك ازدواج لغوي نتيجة للازدواج العنصري.
مخترع الموشحات:
وقد كان مخترع الموشحات في الأندلس شاعرا من شعراء فترة الأمير عبد الله اسمه مقدم بن معافر القبرى. وقد جاء في بعض نسخ كتاب الذخيرة لابن بسام أن مخترع الموشحات اسمه محمد بن محمود. والمرجح أن مخترع هذا النوع الشعري هو مقدم بن معافر، وعلى ذلك أكثر الباحثين. على أن بسام لم يجزم حين ذكر هذا الأخير، و إنما قال: ((و أول من صنع هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها - فيما يلقى- محمد بن محمود القبرى الضرير)). ولعل كون الشاعرين من قبرة جعل ابن بسام يضع اسما محل اسم، فكأنه قد بلغه أن الشاعر القبرى فلانا قد اخترع الموشحات، فذكر محمد بن محمود ونسى اسم مقدم.
وقد وردت هذه الموشحة منسوبة إلى هذا الأندلسي في كثير من المصادر الموثوق بها مثل جيش التوشيح لابن الخطيب.
أساس الموشحات:
حين يعود كاتب القصة إلى نفسه ليستمد من مخزون تجارية لا يستمد من هذا الرصيد كل ما يَعِنُّ له، بل ينتقي منه و يختار ما هو لازمٌ لنسيج قصته. فالمواقف و الأحداث التي تطالعنا في إحدى قصصه ليست بالضرورة سلسلةً متصلةَ الحلقات من المواقف و الأحداث التي وقعت في الحياة على هذا النسق، بل كثيراً ما تكون أشتاتاً من المواقف و الأحداث التي مر بها أو عرفها، حتى إذا جاءت عملية الإبداع الفني للقصة راح يختار من هذه الأشتات ما يراه لازماً لتكوين نسقٍ خاصٍ منها، له هدفه المحدَّد، و له مغزاه.
و قد تكون الواقعة تاريخيةً و يجد نفسه مضطراً إلى الارتباط بها أو بمجملها، و مع ذلك لا يفتأ يستمد من رصيده الخاص من الخبرات ما يكون ملائماً لصياغة هذه الواقعة صياغةً جديدة، تجعل لها مغزى خاصاً.
تطور الموشحات:
وقد كانت فترة نشأة الموشحات، كفترة نشأة أي فن، من حيث مشاهدتها لأولى المحاولات التي غالبا ما يعفى عليها الزمن. ومن هنا ولبعد الزمن بتلك الفترة، لم تبق لنا من هذه الموشحات الأولى التي نظمها مقدم و أمثاله أي نماذج.
ولكننا نستطيع أن نتصورها موشحات بسيطة التركيب قليلة التعقيد، تتخذ مجالها من الموضوعات الغنائية كالخمر والطبيعة والغزل، وتكتب كلها باللغة العربية، ما عدا الخرجة، التي تكتب باللغة الأندلسية الشعبية. كما كانت ترضى بقالبها ولغتها و أغراضها حاجة الأندلسيين حينئذ، وتعكس اختلاط عنصريهما وامتزاج لغتيهما، وشيوع الغناء والموسيقى بينهم.
وقد تطورت الموشحات تطورا بعد فترة من نشأتها تطورات عديدة، وكان من أهمها تطور أصابها في القرن الخامس الهجري، أيام ملوك الطوائف. ثم تطور آخر بعد ذلك بقليل فرع عنها ما يسمى بالزجل، حتى أصبح هذا الاتجاه الشعبي ممثلا في لونين: لون الموشحات، وقد صارت تكتب جميعا باللغة الفصحى، ولون الأزجال وقد صارت تكتب جميعا باللغة العامية.
وانتقل هذان اللونان من الأندلس إلى المشرق، فكثر فيه الوشاحون والزجالون. وعرفهما كذلك الأدب الأوروبي، فتأثر بهما شعراء جنوب فرنسا المسمون (التروبادور)، كما تأثر بهما كثيرون من الشعراء الأسبان الغنائيين. وانتقل التأثير إلى الشعر الإيطالي ممثلا في عدة أنواع، مثل النوع الديني المسمى(لاودس) والنوع الغنائي المسمى (بالآتا) وقبل أن نختم حديث الموشحات، نعرض نموذجا يتضح معه ما سبق أن ذكرناه من اشتمال الخرجات كثيرا على ألفاظ من عامية الأندلس التي تمتزج فيها العربية ((بالرومانسية)).
يقول بعض الأندلسيين :
متَّعـــــــــت قلبي عشــقــــا لحـــــــــــظات بابليــــــــــــة
لائمي مــــــنه مـــــوقى ولمى ثغـــــر مــــــــفلج
سكن مــــثواه قلبي بــــــــأبي لــو قلبه
أو يرى روعـة سرب قلما يـــأمـــن ســـربه
فأنا قد ضاع حسبي حسب عذالي وحسبه
من سمات الوجد حقا هــذه يـــــــا عاذليه
وهى في دمعي غرقى زفــــــــرات تــــــــتوهج
ثم يمضي الشاعر في ذكر أغصان الموشحة وأقفالها، حتى يختمها بهذه الأشعار :
دى ذا العنصرحقا ألب ديه إشت ديه
وتشق الرمح شقا بشترى مو ألمدبح
فهذا الختام الذي ختمت به الموشحة مزيج من ألفاظ عربية وأخرى ((رومانثية )) والفقرة الأولى معناها: ((هذا اليوم يوم فجري)) أي مشرق. فالكلمة الأولى منها كلمة ((ألب)) من الكلمة الأسبانية alba بمعنى فجر. والكلمة الثانية وهى ((ديه)) معناها: يوم و هي بالأسبانية dia. والكلمة الرابعة و هي ((اشت)) معناها: هذا، و بالأسبانية esta أما الفقرة الثانية، فمعناها (( يوم العنصرة حقا)) و العنصرة عيد من أعياد الأندلسيين .
هو محمد بن عبدالله بن سعيد المعروف ((بلسان الدين بن الخطيب )) ولد في غرناطة سنة 713 هـ عني أبوه بتربيته فأقبل لسان الدين على الدراسة بشغف ونهم فتفوق في دراسته ونبع في الكتابة والشعر وساعده على ذلك موهبته الفطرية وذكاؤه الخارق وأعجب به أبو الحجاج يوسف أحد ملوكبني الأحمر في الأندلس فولاه الوزارة ثم تنكر له الزمان ففر إلى شمال أفريقيا حتى قتل سنة 776هـ وقد حمع المقري كثيراً من آثاره الأدبية في كتاب نفح الطيب الذي يعد من أهم المراجع للأدب الأندلسي
من الموشحات الأندلسية
للسان الدين بن الخطيب
الموشح فن ابتكره الأندلسيون، وحاولوا به أن يجددوا في نظام الوزن والقافية في الشعر العربي، فلم يتقيدوا فيه بوزن واحد، ولا بقافية واحدة.
وهو على كثرة أنواعه لا يعدو أن يكون منظومة، مقسمة قطعا، كل قطعة منها ذات قافية مستقلة مع وجود لازمة أو قفل يتكرر من قطعة إلى أخرى. وقد ظهر هذا الفن بالأندلس، كما يذكر كثير من مؤرخي الأدب، على يد مقدم بن معافر، أحد شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، الذي تولى الحكم بين سنتي (723 هـ - 884م)، و (275 هـ - 886م) وعن ابن معافر أخذ هذا الفن أحمد بن عبد ربه، صاحب "العقد الفريد"، المتوفى سنة (328 هـ - 939 م)، ثم شاع بعد ذلك، و اتسع، وتناول شتى أغراض الشعر، من مدح، و وصف، و غزل، و غيرها.
و لعل من أسباب ظهور هذا الفن بالأندلس، تأثر الشعراء العرب بالأغاني الأسبانية الشعبية، المتحررة من الأوزان والقوافي، كما أن من هذه الأسباب ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته، قال:
"إن سبب اختراع الموشحات في الأندلس ما تولد في النفوس، من رقة وميل إلى الدعابة في الكلام، و في نوع التعابير، وشعور الناس، من أدباء وشعراء بضرورة الخروج من الأوزان القديمة المعروفة، لضيق تلك الأوزان عن احتمال عبث الشعراء بالشعر على حسب أهوائهم".
ومن الموشحات نسوق الأبيات الآتية للسان الدين بن الخطيب، وفيها يتحدث عن أيام جميلة سعيدة له في "غرناطة".
جادك الغيث
النص
يا زمان الوصل بالأندلس جادك الغيث، إذا الغيث همى
في الكرى أو خلسة المختلس لم يكـــن وصــلك إلا حــلما
تنقل الخطو على ما يرسـم إذ يقود الدهر أشتات المنى
مثلمـا يدعــو الوفــود الموســم زمـــرا بــــــين فــرادى و ثنى
فثغور الـــزهر منـــه تبــسم و الحيا قد جلل الروض سنا
كيف يروي مالك عـن أنس و روى النعمـان عن ماء السما
يزدهي منه بأبهى ملبس فكساه الحسن ثوبا معلما
بالدجى، لولا شموس الغرر في ليال كتمت سر الهوى
مستقيم السير، سعد الأثر مال نجم الكأس فيها و هوى
أنه مر كلمح البصر وطر ما فيه من عيب سوى
هجم الصبح هجوم الحرس حين لذ الأنس شيئا، أو كما
أثرت فينا عيون النرجس غارت الشهب بنا، أو ربما
معاني الكلمات
معناها الكلمة
جملة دعائية، يدعو فيها بالسقيا لزمان الوصل جادك الغيث
هطل همى
النوم. خلسة: الاختلاس، الأخذ في الخفاء الكرى
الأماني المتفرقة أشتات المنى
كما يرسم لها على ما يرسم
جماعات، جمع زمرة زمرا
المطر. جلل الروض سنا: كساه أزهارا متفتحة تلمع و تتلألأ الحيا
ملونا معلما
جع غرة وهي الوجه، والمراد وجوه الجلاس التي تشبه الشمس شموس الغرر
انتقل من يد إلى يد مال نجم الكأس
محمود الأثر سعد الأثر
مطلب و غاية وطر
انفضت الكؤوس غارت الشهب بنا
حسدتنا على غبطتنا أثرت فينا عيون النرجس
جو النص:
يجد الشاعر في ذكريات الماضي السعيد مجالا لشعرهم حيث يتذكرون ما اغتنموا من سعادة، وما نعموا به من متعة بين الأحبة وجمال الطبيعة فتهيج عواطفهم بهذه الذكرى و يعرضون علينا صورة لها، جعلنا نشاركهم سرورهم بها وألمهم لذهاب عهدها، ولسان الدين بن الخطيب في هذه الموشحة يحدثنا عن أيام .جميلة سعيدة قضاها في غر ناطة ويتحسر على أنها مرت سريعة.
شرح الأبيات:
جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس
جادك الغيث: جملة دعائية يدعو فيها الشاعر بالسقيا و الخير لزمان الوصل. الغيث: المطر. زمان الوصل: المراد الزمن الذي اجتمع فيه شمل الأحبة.
الشرح: يدعو الشاعر لتلك الأيام السعيدة التي قضاها في غرناطة بالسقيا كلما سقط المطر على عادة القدامى حين كانوا يدعون لأرض المحبة بذلك.
الصور: ( يا زمان الوصل) استعارة مكنية، شبه زمان الوصل بإنسان وحذف المشبه به و دل عليه بشيء من خصائصه وهو النداء و فيها تشخيص للزمان و كأنه إنسان حي يسمع النداء و هي توحي بحنين الشاعر لتلك الأزمان. ((جادك الغيث)) استعارة مكنية تصور زمان الوصل أرضا يسقيها المطر و فيها تجسيم و إيحاء بقوة الذكريات ودوامها مرتبطة بتلك الأيام وهي صورة تقليدية لشعراء المشرق العربي لأنها لا تناسب الأندلس وبيئتها المليئة بالأنهار و لا تحتاج إلى المطر فالشاعر هنا يريد الدعاء بطلب الخير عامة و المطر رمز عهد الخير.
لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس
حلما: خيال و طيف. الكرى: النوم. الخلسة: الاختلاس و الأخذ في الخفاء
الشرح: كان لقاء الأحبة جميلا ولكنه مر سريعا كالحلم السعيد أو اللذة المختلسة
الصور: (لم يكن وصلك إلا حلما أو خلسة المختلس) تشبيهان فالوصال في لذته كالحلم السعيد في سرعته و قصر زمن المتعة كالخلسة السريعة
إذ يقود الدهر أشتات المنى ننقل الخطو على ما يرسم
يقود الدهر: يسوق والمراد يحقق. أشتات المنى: الأماني المتفرقة. جمع شتيت و جمع منية. ننقل الخطو: تتجه على ما يرسم: كما يرسم لها الدهر.
الشر ح: يسترجع الشاعر الذكريات فيقول كان الدهر يحقق أمانيه المتعددة المتنوعة فتجري على خطة مرسومة لا تختلف ولا تنحرف.
زمراً بين فرادى و ثنى مثلما يدعو الحجيج الموسم
زمراً: جمع زمرة. الوفود: جمع وفد وهو الجماعة / الموسم: موسم الحج.
الشر ح: هذه الأماني تأتى في موعدها المرغوب فرادى أو ثنى أو جماعات كأنها وفود الحجاج في موسم الحج تأتى في موعدها متفرقة أو متجمعة.
و الحيا قد جلل الروض سنا وثغور الزهر منه تبسم
الحيا: المطر. جلل الأرض سنا: كسا الرياض أزهارا متفتحة تلمع وتتلألأ. ثغور: جمع ثغر.
الشر ح: كانت الطبيعة حولنا بهيجة تشاركنا سرورنا وتسهم في سعادتنا فالمطر قد كسا الروض ثوبا مشرقا من الأزهار المتفتحة الباسمة.
وروى النعمان عن ماء السما كيف يروي مالك عن أنس
روى النعمان عن ماء السماء: المراد هنا أن شقائق النعمان ذلك النوع من الإزهار الذي يعرف بشكله الأحمر ونقطة السوداء يدل على أثر المطر فيها وفضله عليها والنعمان بن ماء السماء: ملك الحيرة في الجاهلية وفى هذا التعبير تورية ومالك بن أنس: فقيه صاحب مذهب معروف و أنس أبوه أو هو أنس ابن مالك خادم الرسول

وعلى هذا لا تكون بينهم علاقة القرابة.
كيف يروي مالك عن أنس المراد هنا أن ما بين شقائق النعمان والمطر من نسبه وصلة مثل ما بين مالك و أبيه أنس أو مثل ما بينه وبين أنس بن مالك في صدق الأحاديث المروية.
فكساه الحسن ثوباً معلماً يزدهي منه بأبهى ملبس
معلما: ملونا. يزدهي: يختال. بأبهى ملبس بأجمل الأثواب.
الشرح: شقائق النعمان تنطق بأثر المطر وتدل على أنها وليدة ماء السماء كما أن مالكاً وليد أنس فأصبح الروض يختال في ثوب جميل تعددت فيه ألوان الحسن والبهاء.
الصور: صورة كلية لزمان الوصل تمثل فيها الدهر قائدا فيقود الأماني فتمشي حسب الخطة الموضوعة فرادى أو جماعات و الشاعر و أحبابه يمرحون بين الرياض الزاهرة الجميلة وهي لوحة حافلة بالحركة وتحملها في يقود تنقل الخطو، كساه يزدهي و اللون نراه في الروض، السنا، الزهر، النعمان، ثوبا معلما، والصوت نسمعه في الخطو، يدعو، رو ى، و في خلالها صورة بيانية في البيت الثالث يقود الدهر أشتات المنى استعارة مكنية تصور الدهر قائداً والمنى جنودا تقاد لأمره (تنقل الخطو على ما يرسم) ترشيح لهذه الصورة فالشاعر مستمر في خبايا الدهر، فالدهر قائد يرسم الخطة وأشتات المنى جنود تنقل الخطو وتتحرك بأمره وفى ذلك تصوير وتشخيص وتوضيح للمعنى الذي يريده وهو الدلالة على السعادة التامة.
تشبيه: يصور الأماني في تتابعها فرادى أو مثنى أو جماعات بحسب الحاجة والظروف في أوقات محددة، بصورة الحجاج يتوافدون على مكة جماعات أو فرادى في موسم الحج و يبدو في هذه الصورة الثقافة الدينية للشاعر. (يدعو الموسم) استعارة مكنية تصور موسم الحج إنسانا يدعو الناس ويناديهم.
(فثغور الزهر من تبسم) استعارة مكنية شبه الزهر بإنسان وحذف المشبه به ودل عليه بشيء من خصائصه وهو ثغور ورشح هذه الاستعارة بقوله: تبسم والصورة توحي بالبهجة والصفاء الذي يغمر الروض.
روى النعمان عن ماء السما: استعارة مكنية تصور شقائق النعمان إنسانا يروى ويحكي وماء السما إنسانا يروى عنه، و الشاعر هنا متأثر بالثقافة الدينية ورواية الحديث الشريف. وهنا تشبيه حيث شبه رواية شقائق النعمان عن ماء السماء برواية مالك عن أنس.
كساه الحسن ثوباً معلما: استعارة مكنية تصور الحسن إنساناً يكسو الروض ثوباً ملوناً، ثوباً معلماً استعارة تصريحية حيث شبه الأزهار المتنوعة في الرياض بالثوب المطرز المنقوش، وتوحي بروعة الأزهار والإعجاب بها. يزدهي منه بأبهى ملبس: استعارة مكنية تصور الروض إنساناً يختال مفتخراً بملابسه الجميلة وفيها تشخيص و إيحاء بروعة الجمال.
في ليال كتمت سر الهوى بالدجى لولا شموس الغرر
كتمت: سترت. الهوى: الحب. الدجى: الظلام. شموس الغرر: شموس مفردها شمس، الغرر جمع غرة و هي بياض الوجه والمراد وجوه الجالسين التي تشبه الشموس.
الشرح: ما أجمل تلك الليالي التي سترت لقائنا وحجبتتا عن أعين الرقباء بظلامها الذي لم ينبعث فيه ضوء غير إشراق الوجوه الجميلة في ذلك المجلس.
الصور: ليالٍ كتمت سر الهوى: استعارة مكنيه تصور الليالي إنسانا يكتم السر، وشموس الغرر: تشبيه بليغ فقد شبه وجوه الأحبة في إشراقها بالشموس والغرر: مجاز مرسل عن الوجوه علاقته جزئية فقد أطلق الجزء (فالغرة بياض في الجبهة) وأراد الكل وهو الوجوه . .
مال نجم الكأس فيها وهوى مستقيم السير سعد الأثر
مال نجم الكأس: انتقل كأس الشراب اللامعة كالنجم من يد إلى يد، سعد الأثر: محمود الأثر (طيبا).
الشرح: وفي هذه الليالي كانت تدور الكؤوس علينا منتظمة فتترك في نفوسنا نشوة وطربا.
الصور: نجم الكأس: تشبيه بليغ فقد شبه الكأس بالنجم في اللمعان والإشراق وأضاف المشبه به إلى المشبه.
وطر ما فيه من عيب سوى أنه مر كلمح البصر
وطر: مطلب وغاية.
الشرح: وقضينا في هذا اللقاء أوقاتاً سعيدة لا عيب فيها إلا أنها مرت سريعة كلمح البصر وهكذا الصفو قصير العمر
الصور: وطر مر كلمح البصر : تشبيه فقد شبه وقت اللقاء في قصره بالوقت الذي يستغرقه لمح البصر.
حين لذ النوم شيئاً أو كما هجم الصبح هجوم الحرس
لذ النوم: أصبح لذيذاً، شيئا: المراد هنا قليلاً.
الشرح: فما كدنا نشعر بسعادة الأنس واللقاء حتى ظهر الصبح فافترقنا كما يهجم الحرس في عنف على جماعة فيشتت شملهم.
الصور: هجم الصبح هجوم الحرس: استعاره مكنية شبه الصبح إنساناً يهجم. / هجوم الحرس: تشبيه حيث شبه هجوم الصبح في عنفه وقسوته ومفاجأته وأثره في تفريق الشمل بهجوم الحرس وهو يوحي بضيق النفس من حرمان التمتع بالسعادة.
غارت الشهب بنا أو ربما أثرت فينا عيون النرجس
غارت الشهب بنا: لحقتها الغيرة بسبب السعادة التي نحن فيها فانقضت الكؤوس وانتهى مجلسنا. أثرت فينا عيون النرجس: المراد حسدتنا على سعادتنا.
الشر ح: وكأن النجوم أصابتها الغيرة منا فاختفت بسرعة لترسل الصبح يكشفنا ويفرقنا، أو كأن عيون أزهار النرجس حسدتنا فلم يطُل أمر سعادتنا ولقائنا.
الصور: غارت الشهب بنا: استعارة مكنية صور الشهب أشخاصا تصيبهم الغيرة والحقد. عيون النرجس: تشبيه بليغ فقد شبه زهرات النرجس في شكلها بالعيون وأضاف المشبه به للمشبه. أثرت فينا عيون النرجس: استعارة مكنية تصور أزهار النرجس أشخاصا يحسدون الأحبة عند اللقاء.
يا أهيل الحي من وادي الغضا و بقلبي مسكن أنتم به
أهيل الحي: إيحاء بالمحبة. وادي الغضا: وادي إمارة غضي وهي شجرة خشبها صلب.
الشرح: يا أهل ذلك الحي بذلك الوادي الذي تحول إلى ألم و حزن وشجن أنني أدعوكم وأناديكم لأنكم قريبون مني مكانة و لكم منزلة خاصة بقلبي.
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا لا أبالي شرقه من غربه
وجدي: شعوري حزني. / رحب الفضا: الفضاء الواسع. / لا أبالي: لا أهتم.
الشرح: فإحساسي وشعوري ضاق بهذا الفضاء الواسع الرحب فلم أعد أهتم به و لا بأي جهة فيه.
فأعيدوا عهد أنس قد مضى تعتقوا عبدكم من كربه
أعيدوا: أعيدوا زمن الوصل. / تعتقوا: تحرروا. / كربه: حزنه.
الشرح: فدعوة إلى إعادة ذلك الزمان، زمان الأنس و الحب واللهو فأنتم بهذا تحررون عبدا ضاقت به القيود و أحكمته.
واتقوا الله و أحيوا مغرما يتلاشى نفسا في نفس
يتلاشى: يختفي. / مغرم: عاشق.
الشرح: و أدعوكم لتقوى الله فيما يصيبني فأنا إنسان معشق ومغرم لذلك الزمان وبهذه الحالة التي وصل إليها فأنا انتهي و أتلاشى شيئا فشيئا.
حبس القلب عليكم كرما أفترضون عفاء الحبس
الشرح: فالقلب قد كن هذا الحب العظيم لذلك الزمان كرما وحبا وعشقا له فلا أظنكم ترضون بغير ذلك وهو أن يتحول ذلك الحب إلى كره وعدم مبالاة فلا تكون هناك رغبة في إعادة ذلك الزمان.
خصائص أسلوب الشاعر:
ألفاظه رقيقة عذبة.
يميل إلى المحسنات البديعية.
أفكاره غير عميقة و يقل فيها التحليل والتفصيل.
متأثر بالثقافة الدينية.
أثر البيئة في النص:
كثرة اللهو و الترف في الأندلس.
جمال الطبيعة هناك وتنوع مظاهر الحسن فيها.
اتصال الثقافة الأندلسية بالثقافة العربية في المشرق.
تجديد الأندلسيين في أوزان الشعر وقوافيه بابتكارهم الموشحة.
خصائص الأدب الأندلسي
مرت بك نماذج متعددة للأدب الأندلسي: نثره شعره، ورأيت ملامح لأهم ميزاته، في فنونه، ومعانيه، وأخيلته، و ألفاظه، ونجمل لك ذلك فيما يلي:
مظاهر نهضة الأدب الأندلسي:
ما كادت الأمور تستقر للعرب في بلاد الأندلس، حتى وجهوا همهم إلى نشر العلوم والمعارف والآداب، وحتى كانت الأندلس بجامعاتها ومدارسها موردا للوافدين إليها من أبناء أوربة، كما كانت معبرا للحضارة العربية الإسلامية إلى هذه القارة، وكانت تتأثر بالمشرق وتنافسه في مختلف نواحي التقدم: علمية وأدبية وفنية، فأصبحت قرطبة منارة للحضارات العربية الإسلامية في الأندلس، إلى جانب مناراته الأخرى في المشرق، كالقاهرة و بغداد و دمشق. وكان الأدب: نثره وشعره من أظهر مميزات العقلية العربية، وإن غلب الشعر على النثر، لأن الخلفاء والأمراء أولوه اهتمامهم، فقربوا الشعراء إليهم، وأجزلوا لهم العطاء، ولأنه مظهر الثقافة العربية، وأكثرها ذيوعا على الألسنة، ولأنه كان مرآة لحياة العرب في تلك البيئة الجديدة. بمفاتنها الطبيعية التي استهوت الشعراء وفجرت ينابيع الشعر، غزيرة صافية.
فنون النثر الأندلسي:
تعددت أنواع النثر الأندلسي، فكان منها: النثر الأدبي، والعلمي، والعلمي المتأدب، كما تعددت فنونه فكان منها: الرسائل، والخطب، والنثر القصصي، والوصفي، والاجتماعي، والفلسفي.
و من هذه الألوان نص لابن زيدون من رسالته الجدية، و آخر لابن خفاجة في وصف الطبيعة، وثالثٌ لابن حزم في آداب مجالس العلم... و غيرهم كثير...
خصائص النثر الأندلسي:
امتاز النثر الأندلسي في جملته بالوضوح، والميل إلى التصوير، والأخيلة المنتزعة من الطبيعة، وإيثار الألفاظ القريبة الدلالة، البعيدة عن الغرابة. وقد تأثر الأندلسيون في نثرهم بكتاب المشرق في أساليب التعبير، واتجاهاته فظهر النثر الأندلسي في أول أمره بعيدا عن الصنعة، بريئا من التكلف، ثم اتجه شيئا فشيئا إلى الصنعة في اعتدال وقصد، وجنح الأمر إلى الإسراف والمغالاة فيها.
أغراض الشعر الأندلسي:
ما لبث العرب أن استقروا في الأندلس، ورحل إليها شعراؤهم، حتى بدأ الشعر الأندلسي يشق طريقه إلى الوجود، ويقوى، وتتنوع فنونه، و لم ينقض وقت طويل، حتى نظم الأندلسيون في غرض نظم فيه المشارقة، وزادوا عليهم في بعضها.
فمما زادوا فيه:
الوصف:
وقد اشتدت عنايتهم به، حتى اتسعت دائرته لكل ما وقع تحت أعينهم، وخاصة وصف المناظر الطبيعية، والمشاهد الكونية، كالرياض، والثمار، والأزهار، والطيور، والبحار، والأنهار، وأفردوا للوصف القصائد، أو حلوا صدورها به، وربطوا بين وصف الطبيعة وسائر الفنون الشعرية.
رثاء الممالك الزائلة:
رثى الشعراء الممالك الزائلة كما رثوا المدن التي تسقط في أيدي الأعداء، و من ذلك قصيدة لابن عبدون يرثي فيها دولة بني الأفطس.
التوسل بالرسول عليه السلام وكبار الصحابة، واستنجاد حكام الإسلام، لإنقاذ البلاد:
كقصيدة أبي عبد الله القضاعي الأندلسي، يستغيث فيها بصاحب إفريقية أبى زكريا بن أبي حفص، للدفاع عن بلنسية، ومن هذه القصيدة قوله:
إن السبيل إلى منجاتها درسا أدرك بخيلك خـــيل الله أندلســــــــــــا
فلم يزل منك عز النصر متلمسا و هب لها من عزيز النصر ما التمست
نظم الفنون والعلوم والقراءات والعروض والبديع والفقه:
وقد أمعنوا في ذلك أكثر مما أمعن فيه المشارقة، ومما نظموه أرجوزتا ابن عبد ربه في التاريخ والعروض. وألفية ابن مالك في النحو، وغير ذلك.
الزهد والشعر الفلسفي:
لم يتجه الشعراء الأندلسيون كثيرا إلى شعر الزهد، لرخاء حياة الأندلس و سهولتها، وميلهم إلى التمتع بما فيها من جمال، كما لم يعنوا بالشعر الفلسفي عناية أهل المشرق به.
معاني الشعر وأخيلته:
امتازت معاني الشعر الأندلسي بالوضوح، والسهولة، وعدم التكلف، والخلو من التصورات الفلسفية والمنطقية، وظهرت فيه الأخيلة البديعة المنتزعة من طبيعتهم الغنية بالجمال، وكثيرا ما ازدحم شعرهم بهذه الصور التي حشدت فيه حشدا، وقد أكثر الأندلسيون من التلميح في شعرهم بالوقائع التاريخية العظيمة، و لا سيما في رثاء الممالك، كما في مرئية ابن عبدون.
ألفاظه وعباراته:
كانت عبارة الشعر الأندلسي تجري على سنن الشعر العربي من حيث السهولة، الاتساق، والوضوح، وتجنب استعمال الغريب والتعقيد، وأرق شعرهم ما كان في الغز ل، والاستعطاف، وشكوى المحن والمصائب، وقد أولعوا بالصناعة اللفظية، وكان لهم في ذلك ذوق سليم، حافظ على شعرهم، إلى حد كبير، بهاؤه ورواءه.
أوزان الشعر وقوافيه:
اقتدى الأندلسيون فيها بالمشارقة، يؤثرون من بينها ما غلبت عليه الأنغام الموسيقية، وحين شاع الغناء، وتمكن سلطانه من نفوسهم، واحتاجوا بسببه إلى الأشعار السهلة والأوزان القصيرة، ابتدع الشعراء في أوزانه وقوالبه ما لم يكن عند المشارقة، ومن ذلك الموشح، الذي بنوه على تعدد الأوزان والقوافي،كما مر بك..
عمر أبو ريشة
حياته:
أبوه شافع أبو ريشة من أبناء الأمراء في عشيرة الموالي انحدروا من آل حيار بن مهنا بن عيسى وهم من سلالة فضل بن ربيعة من طيء، و كانت لهم في عهد العثمانيين صولة و دولة فأرسل العثمانيون أحد أبنائهم شافع أبا ريشة إلى الآستانة ليتلقى العلم فيها ودخل شافع وظائف الدولة و تنقل في المناصب وتزوج من بلدة عكا. ولد عمر في منبج وفيها ترعرع ودرج وانتقل منها إلى حلب فدخل مدارسها الابتدائية ثم أدخله أبوه الجامعة الأميركية في بيروت ثم سافر الى انجلترا عام 1930 ليدرس في جامعتها علم الكيمياء الصناعية وهناك زاد تعلقه بالدين الإسلامي وأراد أن يعمل للدعاية له في لندن. وراح يتردد على جامع لندن يصاحب من يصاحب ويكتب المقالات الكثيرة في هذا الميدان. ثم انقلب عمر الى باريس وعاد الى حلب عام 1932 ولم يعد بعدها إلى إنجلترا. اشترك في الحركة الوطنية في سوريا أيام الاحتلال وسجن عدة مرات وفر من الاضطهاد الفرنسي. كما أثار الأوضاع في سوريا بعد حصولها على الاستقلال وخاصة في عهد رئيس الوزراء بسوريا جميل مردم بك. وقد آمن بوحدة الوطن العربي كله وانفعل بأحداث الأمة العربية.
آثاره:
كانت كارثة فلسطين بعيدة الأثر في نفسه. فله شعر في نكبة فلسطين كثير و له ديوان باسم ((بيت و بيتان)) و ديوان باسم ((نساء)) و له مسرحية باسم ((علي)) و الأخرى باسم ((الحسين)) و مسرحية باسم ((تاج محل)) وله ديوان شعر باسم ((كاجوار)) و مجموعة قصائد باسم ((حب)) ومجموعة شعرية باسم ((نُعِيتُ في مأتمي)). وله مسرحية شعرية سماها ((رايات ذي قار)) أنشأها قبيل العشرين من سنه وجعلها في أربعة فصول. تحكي المسرحية قصة (الحرقاء) ابنة النعمان التي خطبها كسرى ورفضت هي وأبوها تلك الخطبة فحدثت معركة ذي قار. وله مسرحية باسم الطوفان وله ملحمة من اثني عشر بيت (ملاحم البطولة في التاريخ الإسلامي). وله (النواة في حقول الحياة) مسرحية صغيرة تبين جناية الإنكليز على البشر والمسلمين، وله ديوان شعر هو ديوان عمر أبو ريشة الأول. صدر بحلب عام 1936 في 221 صفحة وفيه مسرحية الطوفان.
وديوان عمر أبو ريشة "شعر" هو ديوانه الثاني صدر في بيروت عام 1947 في 294 صفحة طبعته دار مجلة الأديب، وديوان "مختارات" وهو الديوان الثالث طبعه في بيروت عام 1959 في 293 صفحة نشره المكتب التجاري للطباعة والنشر ببيروت. وله مسرحيات مهملة هي (محكمة الشعراء) و (ملحمة الإسلام) و (الحسين بن علي) و (سميراميس) وله ديوان بالإنكليزية. "نظم الملاحم" يوردها ملامح البطولة في التاريخ العربي. فله "ملحمة محمد

" و "ملحمة خالد" و "ملحمة بطل اليرموك" وقد وصلت بعض ملاحمه إلى اثني عشر ألف بيت.
شاعريته:
أحب عمر في أول نشأته شعر البحتري وأبي تمام وشوقي وتأثر بهم وعارض بائية أبي تمام وسينية البحتري. ثم شغف أثناء وجوده في إنكلترا "بشكسبير وتشيلي وكيشر وبودلير وهود وملتن وتنسون وبادينغ" وحبه عنيف لبودلير. لم يدر عمر حول القلب الشعري يعبده بل انصرف إلى الجوهر يقول الشعر وفق المؤشرات الطارئة يستوحي من الصخر والرمل والمرأة والنجم والسماء يستلهم من أخطر الأشياء كما يستلهم من أحقرها. فهي مادة خام يصوغ منها خياله ألواحاً و صوراً وقد أعجب عمر بقصة ديك الجن مع جاريته عندما ذبحها غيرةً عليها فقال:
لقد تحجر و اضطرم و النهد من لين الشباب
قد تقلص و انهدم و رأيت بي شيخا هزيلا
هوى و أقعده الهرم إن قام يسألك العناق
البنان من الألم فوقفت