دين 102
الطلاق ..
إنّ الزواج هو أحد التشريعات التي حثّ عليها الدين الإسلامي في أكثر من مناسبة ، باعتباره حاجة حقيقية وملحة في حياة الإنسان - ذكرا كان أو أنثى - وبه تستقر حياته ويطمئن ويسكن.
وبالزواج يحرز المسلم نصف دينه ويتحصّن عن المعاصي والانحراف ، قال رسول الله

:
(من تزوج فقد أحرز نصف دينه ، فليتق الله في النصف الآخر) فكما رغّب الإسلام في الزواج وحثّ عليه، كذلك أكد على المحافظة والعناية بالبيت الزوجي ، بعد أن حدد معالم العلاقة الزوجية الناجحة المستمدة من معرفة الحقوق و الواجبات لكل منهما ' كما أكد على التقيّد بهذه الحدود التي تُحفظ برعايتها العلاقة الزوجية من الضعف والتصدّع والتأثر بالمشكلات التي لابد وأن تمرّ على كل عائلة .
فإذا تجاهل أحد الزوجين حقوق الآخر أو قصّر في أداء واجباته فد ساهم في صنع المشاكل التي تعكّر صفو الأسرة المستقرة ، لتشرف على مرحلة جديدة من سوء التفاهم والاختلاف الذي ربما يؤول تكراره الى تعميق الخلاف وبالتالي الى التفكير بالانفصال والطلاق .
فالطلاق هو أبغض الحلال الى الله عزّ وجلّ ولكن الضرورة تبيح المحذور ، فهناك حالات يتسع فيها الخلاف بين الزوجين ويشتدّ الخصام بحيث تغدو الحياة الزوجية أتوناً مستعرا بالشحناء والبغضاء مما يتعذّر فيها التفاهم والوفاق .
فقد ابتلى بهذا الاختلاف - مع الأسف - عدد كبير من المتزوجين ،وذلك لعدم مراعاة ما ينبغي التقيّد به من قبل الزوجين من حقوق وواجبات ، وفقدان التوازن في تقدير الظروف والمستجدات التي تصادف حياتهما الزوجية ، وأمور أخرى كثيرة يمكن ملاحظتها من خلال البحث .
وربما تكون آثار الطلاق الوخيمة غير واضحة لدى الطرفين أو لدى طرف واحد في أجواء التشاحن والاختلاف المصحوب بحالات التوتر والانزعاج .
إذن فلابد من محاولة يقوم بها الآخرون وتوفيق يحاوله الخيرون ، ولكل مشكلة ظروفها وطرق علاجها ، فقد تحتاج بعض المشاكل الى تكرار المحاولات وتنوع أساليبها ، فمع عدم التوفيق لحل المشكلة ، يكون إمساك الزوجين على هذا الوضع محاولة فاشلة ، ويزيدها الضغط والاصرار فشلاً وندماً ، ومن الحكمة التسليم بالواقع وإنهاء هذه الحياة الزوجية الفاشلة ، لأنّ الطلاق هو الحلّ والدواء الأخير على كُره من الإسلام ، قال رسول الله

: (ما من شيء أبغض إلى الله من الطلاق)
فالطلاق هو سلاح ذو حدّين ، ففي كثير من الأحيان يكون مضراً وهادماً لكيان الأسرة وضياع لأولادها ، وقد يكون في أحيان أخرى علاجاً لمرض عضال لا يمكن التخلّص منه إلا بالطلاق.
وقد حاول الكاتب أن يقدم إلمامة عن بعض جوانب الطلاق ومبررات تشريعه وأسبابه وآثاره مع بيان أحكامه باسلوب جديد، مركزّاً على الجانب الاجتماعي والتربوي منه مستفيداً من نصوص القرآن الكريم و السنة المطهرة وسيرة أهل البيت

وآراء علماء النفس والتربية ، كما صبّ في هذا الكتاب جلّ تجاربه وخبراته الاجتماعية الواسعة باعتباره قد مارس العمل الاجتماعي والتربوي لسنوات طوال وفي مناطق متعددة ، حيث قام بإجراء أكثر من خمسمائة عقد زواج ، ووفق لإصلاح أكثر من خمسين عائلة ، كما اضطر إلى إجراء بعض صيغ الطلاق إذ لم يجد فيها سبيلاً للإصلاح ، فهو يعتقد أنّ هناك الكثير من الأمور التي لا زالت تحتاج إلى بحث ومعالجة من قبل أصحاب الهم الإسلامي والمتخصصين بالجانب الاجتماعي ، لتوعية جيل الشباب المسلم وتحصينه من التأثر بما تمليه عليه الظروف المحيطة والعصبيات المقيتة والأعراف البعيدة عن ضرورات الكتاب والسنة والإنسانية، ويقع البحث في مقدمة وخمسة فصول.
وقد قسّم البحث إذ تناول في الفصل الأول الذي تحت عنوان : ( مفهوم الطلاق وأهمية دراسته ) في ثلاثة مباحث.
المبحث الأول : تعريف الطلاق في اللغة والاصطلاح . المبحث الثاني : أهمية دراسة موضوع الطلاق .
المبحث الثالث : ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة الزوجية .
وتناول في الفصل الثاني الذي تحت عنوان: (الاتجاهات التشريعية في الطلاق وحق امتلاك عصمته) وفيه ثلاثة مباحث .
المبحث الأول: الاتجاهات التشريعية في حق الطلاق ، حيث ذكر فيه اتجاهين وهما :
أ ) الاتجاه غير الإسلامي ، وتتجّلى فيه أربع نظريات تمثل وجهات نظر وتفسير أصحابها لظاهرة الطلاق في المجتمع وهي:
أولاً : ترك باب الطلاق مفتوحاً على مصراعيه .
ثانياً : غلق باب الطلاق وإلى الأبد .
ثالثاً : يكون الطلاق حق خاص للرجل دون المرأة .
رابعاً: فتح باب الطلاق أمام الزوجين في ظروف خاصة مع تساويهما في الحقوق .
ب ) الاتجاه الإسلامي ، وهو فتح باب الطلاق أمام الزوجين على أن تكون طريقة خروج الرجل من قيد الزواج غير طريقة خروج المرأة منه . فالإسلام يعتبر الزواج رابطة مقدّسة ، والعائلة محترمة والطلاق عمل بغيض ، لا يلجأ إليه الإنسان لمجرد تعرّضه لبعض الهزات في حياته الزوجية ، كما أوجب الإسلام على الجميع السعي وبذل الجهد من أجل القضاء على أسباب الطلاق ومحاولة رفعها من الوسط الاجتماعي ، ليتجنب الناس الاختلاف المؤدي إلى هدم صرح الحياة الزوجية .
المبحث الثاني : حق امتلاك عصمة الطلاق ، وقد برهن الكاتب على صحة النظرية الإسلامية حيث أعطت عصمة الطلاق بيد الرجل دون المرأة وذلك من خلال النصوص الشرعية والأدلة العقلية والتجارب العملية في حياة الإنسان ، حيث ردّ الشبهة التي أُثيرت أخيراً في مصر حول تشريع حق امتلاك المرأة لعصمة الطلاق بالشرط الذي تفرضه أثناء عقد الزواج .
المبحث الثالث : حقيقة قوامة الرجل وفلسفتها .
المبحث الرابع : مبررات الطلاق الشرعية ، قال فيه : لابد للإنسان المسلم من أن لا يلجأ إلى الطلاق إلا بعد استنفاذ كل الوسائل المفضية إلى استمرار الحياة الزوجية واستقرارها ، حيث يكون الطلاق حلاً لمشكلة المرأة والرجل معاً ، وذلك في الحالات التي يكون الإمساك عن الطلاق أمراً مرفوضاً - شرعاً وعقلاً - باعتباره يكرس حالة بقاء المشاكل وتعقيدها ، ولاسيما إذا تعذّر حلها والتخلص منها ، وذكر عدة أسباب وحالات تجعل الطلاق في مصلحة الزوجين وإن كان أصلاً (أبغض الحلال عند الله) .
الفصل الثالث : (واقع الطلاق وأسبابه) وفيه تمهيد ومبحثين وهي:
التمهيد : الزواج الناجح ومقوماته ، وبين فيه أهم مواصفات الشريك المختار وهي :
أ) التدين : لقد اعتبر الإسلام التدين وصحة الاعتقاد بالله تعالى وبرسوله الكريم

مقياساً في اختيار الزوج الصالح .
ب) الأخلاق : فلابد من اختيار الشريك الذي تتوفر فيه محاسن الأخلاق ليتم الانسجام والتفاهم الذي يديم تلك العلاقة المقدّسة بين الزوجين .
ج) الكفاءة : وهي في الجانبين المادي والمعنوي من حاجات الحياة الزوجية .
د ) التقارب الثقافي والتربوي والعرفي بين الزوجين .
المبحث الأول : واقع الطلاق في المجتمع الإنساني ، وقد تم التعرض له من وجهين :
1) الطلاق في البلاد الإسلامية ، وهو على مستويين :
المستوى الأول : وهو الوسط المتدين والملتزم بالضوابط الشرعية والأخلاقية والإنسانية .
المستوى الثاني : وهو الوسط غير المتدين والذي يكون عادة متأثراً بالثقافة الغربية الداعية إلى التحلل من كل القيود والالتزامات .
2) الطلاق في البلاد غير الإسلامية ( الغرب وأمريكا) .
المبحث الثاني : الأسباب المؤدية إلى الطلاق.
أولاً : إساءة فهم الحقوق والواجبات .
ثانياً : الحب قبل الزواج وعواقبه .
ثالثاً : التأثر بالثقافة الغربية ومحاولة تقليدها .
رابعاً: عدم انسجام أحد الزوجين مع أهل وأقارب الآخر ، حيث تمت دراسته من الجانبين :
أ) علاقة الزوج مع أهل زوجته .
ب) علاقة الزوجة بأهل زوجها .
خامساً: تدخل أهل الزوج أو الزوجة في شؤون الأسرة الجديدة .
سادساً: طبيبعة الزواج وأسلوبه ، تعرّض الكاتب فيه إلى خمسة أصناف من الزواج السلبي الذي قد يُبتلى فيه بعض الناس وهي :
1) زواج الفصل .
2) الزواج الذي يكون بإرادة الأهل دون إرادة المرأة (غير الفصل) .
3) إدعاء ابن العم الولاية على بنات عمه أو إحدى أقربائه .
4) زواج التبادل ، ويسمى في الشرع (زواج الشغار)
5) زواج المضطر.
سابعاً: الفقر وضعف الموارد المالية لدى الزوج ، وينتج من هذه الحالة موقفين ولكل آثاره وعلاجه .
أ) الموقف الإيجابي .
ب) الموقف السلبي .
ثامناً : فارق العمر بين الزوجين .
تاسعاً: عجز أحد الزوجين أو إصابته بمرض مزمن .
الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق العتق
فإن قيل فما الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق العتق ؟ فإنه لو قال إن ملكت فلانا فهو حر صح التعليق وعتق بالملك ؟ .
قيل في تعليق العتق قولان وهما روايتان عن أحمد كما عنه روايتان في تعليق الطلاق والصحيح من مذهبه الذي عليه أكثر نصوصه وعليه أصحابه صحة تعليق العتق دون الطلاق والفرق بينهما أن العتق له قوة وسراية ولا يعتمد نفوذ الملك فإنه ينفذ في ملك الغير ويصح أن يكون الملك سببا لزواله بالعتق عقلا وشرعا كما يزول ملكه بالعتق عن ذي رحمه المحرم بشرائه وكما لو اشترى عبدا ليعتقه في كفارة أو نذر أو اشتراه بشرط العتق وكل هذا يشرع فيه جعل الملك سببا للعتق فإنه قربة محبوبة لله تعالى فشرع الله سبحانه التوسل إليه بكل وسيلة مفضية إلى محبوبه وليس كذلك الطلاق فإنه بغيض إلى الله وهو أبغض الحلال إليه ولم يجعل ملك البضع بالنكاح سببا لإزالته البتة وفرق ثان أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القرب والطاعات والتبرر كقوله لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا فإذا وجد الشرط لزمه ما علقه به من الطاعة المقصودة فهذا لون وتعليق الطلاق على الملك لون آخر .
حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
في تحريم طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها
وتحريم إيقاع الثلاث جملة
في " الصحيحين " أن ابن عمر رضي الله عنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء يطلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء .
ولمسلم مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا .
وفي لفظ إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك الطلاق للعدة كما أمره الله تعالى . وفي لفظ للبخاري مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها .
وفي لفظ لأحمد وأبي داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما : قال طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك .
وقال ابن عمر رضي الله عنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن "
الطلاق المعلق
الطلاق المعلق بشرط نوعان :
الأول : أن يقصد الطلاق إذا وقع الشرط فهذا تعليق لازم فإذا خرجت من المنـزل غير ناسية فإنها تطلق طلقة واحدة فيراجعها حيث شاء ما لم تنته العدة وما لم تكن هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات .
وهذا لا ينازع فيه أحد من أهل العلم إلا منْ يمنع وقوع الطلاق المعلق بشرط وفيه نظر .
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات ) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وقال نافع : طَّلق رجل امرأتَه البتَّة إنْ خرجَتْ فقال ابن عمر : إن خَرجتْ بُتت منه وإن لم تخرج فليس بشيء )) رواه البخاري في صحيحه معلقاً تحت ( باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون ... الخ ) .
وروى البيهقي في السنن ( 7 / 356 ) من طريق سفيان عن الزبـير بن عدي عن إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه . في رجل قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا فهي طالق فتفعله قال هي واحدة وهو أحق بها )) .
الثاني : أن يقصد التهديد كي تمتنع المرأة من الخروج وهو يكره وقوع الجزاء عند الشرط فهذا لا يقع به طلاق البتَّة لأنه لم ينو والأعمال بالنيات .
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما (( الطلاق عن وطَرَ )) رواه البخاري في صحيحه معلقاً .